تناغم الموسيقى السودانية
مع ثورة ديسمبر

ما هو السلم الموسيقي، ما هو السلم الخماسي؟
ما هو السلم السباعي؟
كم عدد النغمات التي يمكن استخدامها عند التعامل مع كل من السلمين؟
ما تأثير تراثنا وقوميتنا وهويتنا السودانية على سلمنا الموسيقي؟
ما هو دور الوطنية وروح الإنتماء للسودان تأثيرا على سلمنا وتأثرا به؟
هل حقا أن السلم الخماسي ناقص موسيقيا؟
هل السلم السباعي هو المقياس للتطور؟
ما مدى حاجة الأغنية السودانية للتطوير؟

قائمة التساؤلات طويلة وقائمة الافتراءات أطول، وسوف أحاول تناول هذا الموضوع من زاوية لم يتم تداولها من قبل، زاوية الهوية السودانية الضائعة التي بدأت تذروها الرياح، زاوية الوطنية التي ما فتئنا نتبجح بها ونحن نعمل على دفنها وقبرها، ومن الناحية الفنية، زاوية المستمع العادي الذي يتمتع فقط بحس موسيقي طبيعي، وهذا ليس بالهين، إذ هو مستمع عادي لا يملك ثقافة أو معرفة موسيقية تؤهله مقارعة مدعي المعرفة، أو الخوض في خبايا النغمات والتركيبات النغمية والسلالم الموسيقية وأنواعها وتفرعاتها. إنه ذات المستمع العادي الذي يغني له المغنون ويتفنن له الفنانون ويموسق له الموسيقيون. المستمع الذي يمثل عدده نسبة طاغية قد تماثل التسع والتسعين بالمائة من مجموع من يسمعون، المستمع الذي به تناقلت الأجيال تراثنا الخالد وتداولت السنون ما خط الأولون منا، وما أرسوا من صفات وآثار شامخات ليس لها مثيل، وهو ما تعيث به أجيالنا الحاضرة فسادا وتدميرا.
كثر الحديث وتردد عن السلم الخماسي، وهو ما نستخدم في موسيقانا، وأنه أساس تقوقعنا داخل مجتمعنا وعدم انتشار موسيقانا ومعرفة العالم لها، وادعى البعض أن تحويل الموسيقى السودانية للسلم السباعي، فيه الخلاص والفكاك لفرد أجنحة موسيقانا لتجوب العالم قاطبة، بل حاول بعضهم إدخال نغمات إضافية ليكون مجموع النغمات المستخدمة سبعا، ولكن هزمهم سلمنا الراسخ القدم في تراثنا وموروثاتنا، واستوعب النغمات المضافة، فإما ذوبها داخله كأنها لم تكن، أو رفضها فماتت القطع الموسيقية المفبركة واندثرت سريعا بعدم تقبل الأذن السودانية لها، وظل كما هو سلمنا الخماسي العتيد، وظلت موسيقانا السودانية تحمل هويتنا وسحنتنا وصدق تراب أرضنا.
إن موسيقانا السودانية تتميز بنكهة فريدة وجرس محلي لا تتشاركه مع أي من موسيقى الشعوب المختلفة، حتى تلك التي تشترك معنا في استخدام سلمنا المسمى بالخماسي، فإن حاولنا نزع هذه النكهة عنها أو إسكات هذا الجرس الفريد داخلها، ما عادت هي نفسها، ولنبحث لها إذن عن مسمى وعن شعب يدعيها وتمثله. فرغم قربنا والتصاقنا بجيراننا في الشرق الإفريقي، وحبنا لموسيقاهم وتذوقهم وترديدهم لموسيقانا، إلا أننا نميز موسيقانا عن موسيقاهم دون أي عناء، ولا تختلطان علينا أبدا، ويرجع ذلك للجرس المحلي والنكهة الوطنية التي تحملها موسيقانا وتمتزج بها، فلا تكاد تسمع نغمات قليلة إلا وينبض فيك إحساس داخلي ينبهك أن هذا اللحن سوداني، بل إن سمعت لحنا سودانيا يؤديه مغن أثيوبي مثلا، لما اختلط عليك الأمر، ولعرفت فورا أنه أثيوبي يغني أغنية سودانية، ففي داخل طيات موسيقانا تكمن هويتنا الوطنية ويمتد إرثنا الحضاري المتغلغل في عمق التاريخ.
أما عن المتلقي المستمع، فإنه ذلك المستمع العادي الذي يغني له المغنون ويموسق له المموسقون. المستمع الذي يمثل عدده نسبة طاغية قد تماثل التسع والتسعين بالمائة من مجموع الشعب السوداني، رغم ابتلائنا بظاهرة المئات ممن يدعون الغناء، وهم في ازدياد، وليس لهم بفن الغناء صلة، بل هم وصمة في جبين الفن السوداني، وبثرة سوف يأتي يوم اقتلاعها. المستمع الذي به تناقلت الأجيال تراثنا الخالد وتداولت السنون ما خط الأولون من روادنا العباقرة، وما أرسوا من صفات وآثار شامخات ليس لها مثيل، وهو من تعيث بأذنه وسمعه جل أجيالنا الحاضرة فسادا وتدميرا، فقد قادوه للقبول بالغث الرخيص، وأجبروه أن يسمع ما تربأ نفس أي فنان حقيقي بالتدني لدركه السحيق، فقد صار بعض المغنين يتناولون غناء تافها غير ذي معنى، ويرددون كلاما لا يحمل إلا أسافل القول، وتبعهم من الموسيقيين في غيهم، من تدفعهم هبات من المال إلى نكران أنفسهم والتجرد من روح الفن فيهم، وإتباع من يدفع والسير في ركبه، وتدمير فننا وحضارتنا وما أرسى العباقرة الأولون منا.
ولكن يبقى المستمع السوداني هو المظلوم، إذ أنه المتلقي لكل غث هزيل يسميه صناعه فنا، ولكل سيئ ردئ يسميه رواده غناء، حتى تدنى مستوى سمعه وخاب ظنه في تلقي الجيد الحسن، فصار يقبل ما يقدم له على علاته، وقد طغت على الحسنات. ولكني أؤمن بصدق أن كل من يستمع للموسيقى فنان، وبما أنه ليس هنالك في ظني من لا يستمع للموسيقى، إذن فليس هنالك من ليس بفنان، والمستمع السوداني فنان، وسوف يأتي يوم قريب يصم أذنه عن هذا الغي والعبث بموروثاتنا، ويدك بقدميه كل عابث يمرغ بالتراب فننا أو موسيقانا، ولا يتقبل إلا الجيد الراقي من الفنون.
أردت بهذا الموضوع أن أربط موروثاتنا بعضها بالبعض، فالموسيقى من العلوم التي تورث قبل أن تدرس، وأنا أؤمن أن كل من يستمع للموسيقى فنان، وليس هنالك من لا يستمع للموسيقى، فليس هنالك من ليس بفنان.


أولا وددت أن أزيل بعض الفهم الخاطئ حول ما يدعي بعض الموسيقيين جهلا بأن السلم الخماسي ينقص نغمتين عن السلم السباعي، فليس هنالك ما يحملني على الموافقة على هذا الطرح، وما يشيرون إليه هو في الحقيقة استخدامنا لخمس نغمات من مجموع السبع المكونة للسلم الموسيقي الغربي، وهو يحتوي في داخله على سلمنا المسمى بالخماسي، ونحن نستخدم خمس نغمات تتنوع وتتباين حسب المنطقة واللحن، وحين نغطي جميع مناطق السودان نكون قد استخدمنا كل نغمات السلم الغربي، خمسا قد تختلف في كل منطقة بل في كل لحن، ومازلنا لم نخرج عن إطار سلمنا الذي تعارفنا عليه، وبذا لا يكون السلم الخماسي ناقصا، بل هو انتقائي في استخدام النغمات.
أما السلم الموسيقي في مجمله فيتكون من إثنتي عشرة نغمة، سبعة زائد خمسة، تتوزع على مدار كامل وتتفاوت درجاتها حسب بعدها ومسافاتها عن بعضها، وتفرعاته كثيرة ومتشابكة ليس الحديث عنها هنا هدفنا. ويختلف السلم الغربي عن الشرقي بأن الأخير له إضافات سميت بربع النغمة، أو ربع التون، وهي ما يعطيه الميزة الواضحة التي تجعله شرقيا أو بتسمية أدق، عربيا، وهي نفسها، أي ربع التون، ما يجعلنا ننفر منه ولا نستسيغه إلا من شذ وندر، والشاذ لا يقاس به.
أما سلمنا السوداني فهو متنوع متباين تحكمه مناطق السودان الجغرافية الممتدة وإرثها المرتبط بها، ولكنه يلتقي في استخدامه الأساسي واعتماده الكلي على النغمات الخمس التي تجيز تسميته سلما خماسيا، وهو رغم كل هذا يستند في مطلقه على استنباط نغماته من السلم الموسيقي الغربي ذي السبع نغمات، أو الإثني عشر نغمة، بإضافة أنصاف النغمات الموجودة فيه ضمنا، ونحن نتداول من هذه النغمات خمسا قد نزيد عليها واحدة أحيانا، وقد نكملها سبعا أحيانا أخرى، حسب المنطقة الجغرافية المعنية، والجميل في الأمر أن ذلك يتم بسلاسة، ودون أن ننغمس مطلقا في السلم السباعي، ودون أن يشعر المستمع أن اللحن يحتوي على النغمات السبع كلها.
نعلم جميعا أن أغانينا وموسيقانا السودانية تتنوع تبعا لمناطق السودان الجغرافية الممتدة، ذات الثقافات والعادات المتباينة، ورغم استنادها في مطلقها على السلم الموسيقي الخماسي، إلا أننا نتميز على الغربيين عموما، ونشترك في ذلك مع شعوب شرق آسيا بالذات، بأننا نتناول من السلم ذي السبع نغمات أصلا، خمس نغمات فقط، ننوعها ونحورها حسب الحاجة، وقد نزيد عليها حينا بعد حين واحدة أو اثنتين من النغمات السبع الأصلية أو الخمس الإضافية (الأنصاف)، أما النوعان من الإضافة وعدمها فيسميان لدى أهل علم الموسيقى أولا:-
بإضافة نصف النغمة:-
ANHEMITONIC آنهيميتونيك
ثم دون إضافة نصف النغمة:-
HEMITONIC هيميتونيك
تحدد المنطقة الجغرافية التي ينتمي لها اللحن، نوعية النغمات المستخدمة بشكل قاطع، إذ في شمال السودان تلتزم الألحان بالنغمات الخمس بصورة صارمة جدا ولا تحيد عنها إلا نادرا، أما في جنوبه، ويا لوعتي على جنوبه، فيضيفون نغمة سادسة بصورة مكثفة تعطي طابعا مميزا لألحان مناطق جنوب السودان، في حين يستخدم السلم الموسيقي الغربي على إطلاقه وبكل نغماته، في غرب السودان، بالضبط مثل ما يستخدم في دول شمال المدار، ولن يجد أي باحث في الموسيقي أي فرق، من ناحية شكلية أو أسس موسيقية أو تركيبات لحنية، بين موسيقى "لودفيج فان بتهوفن"، مع كل صيته واشتهاره، وموسيقى "إبراهيم موسى أبا" الذي لا يعرفه من السودانيين إلا القليل، كمثال، إذ كلاهما يستخدم نفس النغمات ويتنقل بين نفس الدرجات ويطوع لخدمته نفس الإثني عشر نغمة الموزعة على المدرج الموسيقي، ورغم ذلك تظل نكهة اللحن السوداني الأصيل تعبق موسيقى "إبراهيم موسى أبا" وتفوح شذى، وتبرز سودانيته الصميمة.
ويتشارك معنا في استخدامنا المميز للخمس نغمات، جميع دول شرق آسيا مثل الصين والهند والباكستان، وأغلب أجزاء أستراليا وكل أمريكا اللاتينية، مما يجعل استخدام النغمات الخمس هو الطاغي الأعم على مدار العالم، وقد تركنا السلم الغربي لبعض العالم الأوروبي والشمال الأمريكي وكندا، أما النذر اليسير المتمثل في الدول العربية فقط فهو للسلم الشرقي أو العربي، ويطغى على الغالب الأعم من قارة إفريقيا استخدامهم للسلم ذي الخمس نغمات الذي يستخدمه السودانيون، وهذا يبرر الانتشار الواسع للأغاني والموسيقى السودانية خلال كل ما هو شرقنا وغربنا وجنوبنا، جغرافيا، وهو عموم إفريقيا عدا المنتمين للعرب في الشمال.

تنقسم أغانينا وموسيقانا السودانية تبعا لمناطق السودان الجغرافية الممتدة، وهي تستند في مطلقها على السلم الموسيقي الغربي، ولكننا نمتاز على الغربيين عموما، ونشترك في ذلك مع شعوب شرق آسيا بالذات، بأننا نتناول من السلم ذي السبع نغمات أصلا (إثني عشر بإضافة خمس نغمات تمثل أنصاف المسافات بين النغمات)، نتناول خمس نغمات فقط قد نزيد عليها حينا بعد حين واحدة أو اثنتين من النغمات السبع الأصلية أو الخمس الإضافية (الأنصاف)، وهو ما تم التعارف أنه السلم الخماسي.

المديح – الطمبرة – الصفقة
ترجع الفترة الزمنية المعروفة لبداية الموسيقى والغناء في السودان، وباتفاق معظم المؤرخين، إلى حين تأثر السكان المحليين بإيقاعات الطرق الصوفية والمدائح، التي تجاوبت معها لاحقا حناجر "الطمبارة والشيالين" وبعدها جرات الدوبيت الحنينة الباكية، ثم اختلطت بتصفيقهم وشيلة اللحن، التي تطورت لمجاوبة المغني ومحاورته أحيانا، وصولا إلى مسكة آلة "الرق" واهتزازاتها مع التصفيق بالأيدي، وكل هذا ينطبق حصريا على موسيقى وغناء مناطق وسط وشمال السودان.
وأشير اتساقا لكتاب "تاريخ الغناء والموسيقى في السودان"، للأستاذ معاوية يس، كجهد مقدر لأحد الباحثين في هذا الصدد، ولكني أوافقه في النواحي التأريخية فقط، لعدم تمكني من صرف النظر عن الأخطاء الفنية الضخمة التي يحتوي عليها كتابه، زائدا إقحامه آراءه الشخصية وذوقه الخاص في ما توجب أن يكون توثيقا لموسيقى السودان، وانحيازه الواضح لمغنيي وموسيقيي منطقة كردفان، بسبب انتمائه لها، رغم إضافته للأستاذ محمد وردي بتكرار ممل، ولا عجب، فقد كان مرجعه الرئيسي لكل المعلومات المتعلقة بالفترات المعاصرة، مما جعلني أفصح علنا عن عدم توافقي معه على الكثير من المعلومات الفنية وعلى معظم آرائه واختياراته الشخصية، ولكني أقدر جهده في جمع المعلومات وأثني عليه.
هذا يجعل لبقية المناطق الطرفية في السودان طريقة تختلف في التطور وفي تناقل وتوارث التراث عن الطريقة التي ذكرت، إذ كان التأثر الآتي من الخارج أقل وأبطأ، لانغلاق المناطق جغرافيا على نفسها.
الغناء القبلي، حسب المناطق الإثنية
ومهما نعود بالزمن سحيقا للوراء، فسيسود الغناء الجماعي المعتمد على الإيقاع، سواء بآلات إيقاعية مثل "الطبول" أو الصفقة بالأكف والدق بالأرجل، وبمصاحبة بعض الآلات الفردية في مناطق جغرافية من السودان، مثل "الطمبور والربابة والكوندو والباليمبو"، أو الآلات الجماعية مثل "الوازا" التي يتم العزف عليها في مجموعات صوتية متناغمة متجانسة، في مناطق جغرافية أخرى.
حافظت كل منطقة جغرافية في السودان على موروثها من الغناء ضمن محافظتها على تراثها وتاريخها الإثني في إطار الحد الجغرافي الذي يفصلها عن الآخرين، وساهمت في ذلك الفواصل الطبيعية بين القبائل، مثل الجبال والأنهار والصحارى والغابات، ويعزى التشابه بينها في أشكال بعض الآلات المستخدمة إلى التواصل القليل والمتقطع بينها على مدى السنين، والتمازج جراء رحلات الرعي شمالا وجنوبا، تبعا للكلأ لماشيتهم، رغم ما يجلب ذلك من مشكلات واحتراب.


الانغلاق الجغرافي والإثني
سأذكر تأكيدا لهذه المعلومة، بعض الأمثلة عن التقوقع الذي حفظ أشكال بعض الآلات الموسيقية، متوافقا مع مناطق استخدامها وحصر تواجدها على بعض القبائل دون غيرها في السودان، فنجد قبيلة تستخدم نوعا من آلات النقر بالأصبع على ما يصدر الصوت، كآلة "الكوندو" لدى قبيلة الدينكا في جنوب السودان، في حين نجد قبيلة البقارة، وهم جيرانهم جغرافيا، يستخدمون آلة مثل "أم كي كي"، من آلات سحب القوس على الوتر، ويعزى عدم التوافق هنا للنزاعات المستمرة زمانا طويلا على مناطق العشب والرعي، وينطبق هذا المثال على الفرق البين بين آلات قبائل جنوب شرق السودان والقبائل النيلية في شمال جنوب السودان، وذلك لوعورة المسالك بينها وصعوبة التواصل.

التطور الذي اتخذته الموسيقى عبر الأجيال
غناء الحقيبة، المغني الفرد والشيالين
يعتبر غناء الحقيبة هو الأشهر عند التحدث عن تاريخ الغناء السوداني، وليس ذلك لأنه الأفضل ولا الأحسن بين أنواع الغناء، ولكن لأنه كان جسرا ومعبرا بين نوعين من الغناء، ورابطا سهل عملية انتقال كانت ستكون عسيرة لولاه، ففي غناء الحقيبة كثير شبه للألوان التي سبقته، وفيه أيضا شكل الألوان التي تلته، ثم لأنه وجد العناية ووسائل الانتشار، فوسط السودان كان مركز ثقل الثقافة وتنوعها لتفرده بمحطتي الإذاعة والتلفزيون الوحيدتين في محيط البلاد واتساعها لفترات طويلة في تاريخ السودان، تلا ذلك تهميش كل ما ليس في العاصمة، فعلى من رغب في الانتشار الذهاب للعاصمة ليجد من يستمع له، ثم تباري الناقدين وأصحاب الرأي لتقريظ كل ما هو من الوسط، وعدم الالتفات للبقية.

تحدد المنطقة الجغرافية التي ينتمي لها اللحن، نوعية النغمات المستخدمة بشكل قاطع، إذ في شمال السودان تلتزم الألحان بالنغمات الخمس بصورة صارمة جدا ولا تحيد عنها إلا نادرا، أما في جنوبه، ويا لوعتي عليه، فيضيفون نغمة سادسة بصورة مكثفة تعطي طابعا مميزا لموسيقى مناطق جنوب السودان، في حين يستخدم السلم الموسيقي الغربي على إطلاقه وبكل نغماته، في غرب السودان، مثل ما يستخدم في دول شمال المدار، ولن يجد أي موسيقي متمكن أي فرق، من ناحية شكلية وأسس موسيقية وتركيبات لحنية، بين موسيقى "لودفيج فان بتهوفن" و"إبراهيم موسى أبا"، إذ كلاهما يستخدم نفس النغمات ويتنقل بين نفس الخانات ويطوع لخدمته نفس الإثني عشر نغمة الموزعة على المدرج الموسيقي.

يتشارك معنا في استخدامنا المميز للخمس نغمات، جميع دول شرق آسيا مثل الصين والهند والباكستان، وأغلب أجزاء أستراليا وكل أمريكا اللاتينية، مما يجعل استخدام النغمات الخمس هو الطاغي على مدار العالم، ويترك السلم الغربي لبعض العالم الأوروبي والشمال الأمريكي وكندا، أما النذر اليسير المتمثل في الدول العربية والخليج العربي، فهو فقط للسلم الشرقي أو العربي، إذ يطغى على الغالب الأعم من قارة إفريقيا استخدامهم للسلم ذي الخمس نغمات الذي يستخدمه السودانيون، وهذا يبرر الانتشار الواسع للأغاني والموسيقى السودانية خلال كل ما هو شرقنا وغربنا وجنوبنا، جغرافيا، وهو عموم إفريقيا عدا العرب في الشمال.
ولكل من يتساءل، فالسلم الموسيقي هو مجموعة من الأصوات الموسيقية المتجانسة والمتوافقة تندرج على تسلسل صوتي يبدأ من ما يسمى أساس السلم حتى تصل آخره ثم تتكرر بنسق أعلى وهكذا، وهي تتكون من سبع نغمات على مسافات صوتية يتفاوت البعد بينها بين مسافة واحدة ونصف المسافة، وتكون في مجملها إثنتا عشر صوتا.



أما لكي أشرح النسق والتسلسل فلتتخيل أن أمامك سلما للتسلق، وليكن سلما خشبيا كسلم البنائين، ولكنه يتكون من عدد لا نهائي من الدرجات، وهو مرقم من واحد إلى سبعة بتكرار نفس الترقيم، وتريد الصعود عليه، فالدرجة الأقرب للأرض هي درجة أساس السلم، وكلما رقيت درجة على سلم البنائين هذا، صعدت نغمة على السلم الموسيقي، وحين وصولك للرقم سبعة (الأول) لا يأتيك بعده رقم ثمانية، بل يبدأ الترقيم من جديد، من واحد إلى سبعة (الثاني) ثم سبعة (الثالث)، وهكذا، منتهى التشابه، ولكن الشيء المختلف هو مدى بعدك عن درجة الأساس التي بدأت منها، وكل واحدة من هذه (السبعات) تسمى بـ "الأوكتاف".
أما المدرج الموسيقى فهو المجال اللوحي الذي يمكن الموسيقي من كتابة أو قراءة الموسيقى، وهو يمكن الكاتب من وضع كل العلامات الموسيقية والإشارات والإرشادات التي تفسر وتحدد ما يريده مؤلف المقطوعة أو اللحن، في مسار مقطوعته أو لحنه، وهو بذلك يكون بمثابة مرشد دقيق يشرح فيه المؤلف كل تفاصيل مقطوعته الموسيقية، لمن يود ترجمتها صوتيا وآليا، والأساس فيه الأسطر الخمس ذات المسافات الأربع، ولديه إمتدادات علوية وسفلية، حسب درجة الصعود أو الهبوط على السلم.

ولشرح "المازورة" سأتحدث عن الموسيقى اللغة، فاللغة المكتوبة تتكون من مجموعة من الحروف التي ننتقي ونجمع بعضها معا لنكون الكلمات، ثم نجمع الكلمات في أنساق وتراتيب لتكوين الجمل، التي بدورها تعطينا فقرات لموضوع ما يكتمل ليكون شيئا مكتوبا ومقرؤا ومفهوما. هذه بالضبط فكرة كتابة الموسيقى، نجمع حروفا موسيقية نكون منها مازورة نشكلها بما نود من فتحات وضمات وشدات، ونضمها لمازورة أخرى حتى تكون جملة فسطرا، إلى أن تكتمل القطعة، وكلها تكتب على المدرج الموسيقي.
أما الإيقاع فهو الهيكل العظمي الذي تقوم عليه أي قطعة موسيقية، ولا تكون موسيقى إلا وأساسها الإيقاع، حتى السيمفونيات والموسيقى الغربية الكلاسيكية، إنما تبنى أساسا على الإيقاع، الذي لا يكون بالضرورة ظاهرا أو مسموعا، ولكن الإحساس به بوضوح وجلاء والتقيد الدقيق به هو الأساس، والإنسان مفطور على الإيقاع، حتى بصورة لا إرادية، فنبض القلب يحكمه إيقاع والتنفس ورفة رمش العين كلها لها إيقاع، وكل وظائف الجسد الحيوية تعمل وفق إيقاع منتظم.


تعارف أهل وسط السودان على تكوين الفرقة الموسيقية زمانا، بمجموعة تتكون من آلة العود والكمان بمصاحبة آلة للإيقاع، دخلت عليها لاحقا آلة الأكورديون، ورغم استخدام بعض الرواد مثل "خليل فرح" آلة البيانو في بعض أغنياته، إلا أن ذلك ظل جهدا فرديا صعب اتباعه، وأظن السبب صعوبة الحصول على الآلة نفسها أو صعوبة تحريكها، لكبر حجمها وثقل وزنها، وينطبق عدم انتشار الاستخدام على آلة القانون، التي أكثر من استخدامها المبدع "إبراهيم الكاشف"، ولكن سبب تواريها في رأي سوداني بحت، فصوت آلة القانون يميل لجانب الموسيقى الشرقية، التي لا يحبذها المتذوق السوداني، ولا تميل لنغماتها أذن المتذوق السوداني.
سيطرة الفرقة الموسيقية المعروفة الآن
ظلت الفرقة الموسيقية في وسط ومركز السودان، تتكون من نفس عائلة الآلات التي بدأت بها، وتسمية عائلة ترجع للشبه بين الآلات، أو انتمائها لنفس فصيلة الصوت، مع بعض الاختلاف في رخامة الصوت أو حجم الآلة، فعائلة الكمان مثلا تضم الكمان والفيولا والشيلو والكونترباص، وشارك التواجد المتصل معها آلة العود والأكورديون والطبلة والبنقز، في حين تم التعامل مع آلة الكونترباص كأنها آلة وترية إيقاعية، وتناقص استخدامها حين حل محلها الباص جيتار الكهربائي.

انتشار الآلات النحاسية ومن ثم ما أسميناه غناء الجاز
بدأت نتائج الانفتاح الثقافي في السودان تظهر، وتسربت الأغنية الغربية والإفريقية، فعرف السودانيون بوب مارلي ومريم ماكيبا، وحفظوا وغنوا أغنياتهم، وتسربت في تلك الفترة آلات الموسيقى الغربية، فعرفنا الجيتار بأنواعه، الليد والبرش والريذم، وعرفنا البيز والدرمز، وانتشرت الفرق التي تستخدم الجيتار كأساس لغنائها.
ثم وقع حدث مهم جدا، أعطى هذا التزاوج زخما وتسارعا كبيرا، وهو إضراب الفنانين الشهير، الذي قاده الفنانان إبراهيم الكاشف وعثمان الشفيع، بعد تكوينهم رابطة الفنانين، التي تمخضت لاحقا عن اتحاد الفنانين، وكان إضرابهم عن العمل قد أعلنه المغنون المتعاملون مع محطة الإذاعة السودانية، مطالبة برفع أجورهم، وكان الإضراب عام 1950م، وحين أوقفوا تعاونهم مع محطة الإذاعة، ولم يتراجعوا، تأثرت برامج الإذاعة الغنائية، إذ كان بث الإذاعة آنذاك حيا مباشرا، قبل معرفة وتداول أجهزة التسجيل الصوتية، فاستعان مدير الإذاعة، "متولي عيد"، ببعض الموسيقيين من فرقة قوة دفاع السودان (موسيقى الجيش)، فجاؤوا مع آلاتهم، وبعض المغنيين غير المعروفين والهواة، وكانت الآلات الجديدة كلها آلات نفخ نحاسية، فزخرت فرقة الإذاعة بآلات مثل الطرمبة والساكسفون والكلارينيت والترمبون، وحينها أسرع المضربون للعودة لمرافقتهم، وبذلك تكونت الفرقة الموسيقية التي تشبه في شكلها فرقتنا الحالية.



أما المدرج الموسيقى فهو المجال اللوحي الذي يمكن الموسيقي من كتابة أو قراءة الموسيقى، وهو يمكن الكاتب من وضع كل العلامات الموسيقية والإشارات والإرشادات التي تفسر وتحدد ما يريده مؤلف المقطوعة أو اللحن، فهو يكون بمثابة قاموس دقيق يشرح فيه المؤلف كل تفاصيل مقطوعته الموسيقية، لمن يود ترجمتها صوتيا، والأساس منه الأسطر الخمس ذات المسافات الأربع، ولكن لديه إمتدادات علوية وسفلية، حسب درجة الصعود أو الهبوط على السلم.
ولشرح "المازورة" سأتحدث عن الموسيقى كلغة، فاللغة المكتوبة عبارة عن مجموعة من الأحرف والعلامات التي ننتقي ونجمع بعضها معا لنكون الكلمات، ثم نجمع الكلمات لتكوين الجمل، التي بدورها تعطينا فقرات لموضوع ما يكتمل ليكون شيئا مكتوبا ومقرؤا ومفهوما بل يمكن عزفه. هذه بالضبط فكرة كتابة الموسيقى، نجمع حروفا موسيقية نكون منها مازورة، ومازورة مع أخرى تكون سطرا، حتى تكتمل القطعة، وكلها تكتب على المدرج الموسيقي.
أما الإيقاع فهو الهيكل العظمي الذي تقوم عليه القطعة الموسيقية، ولا تكون موسيقى إلا وأساسها الإيقاع، حتى السيمفونيات والموسيقى الغربية الكلاسيكية، إنما تبنى أساسا على الإيقاع، الذي لا يكون بالضرورة مسموعا، ولكن الإحساس به بوضوح وجلاء هو الأساس، والإنسان مفطور على الإيقاع، حتى بصورة لا إرادية، فنبض القلب يحكمه إيقاع والتنفس ورفة رمش العين لهما إيقاع، وكل وظائف الجسم الحي الحيوية تعمل وفق إيقاع منتظم.


تعارف أهل وسط السودان على تكوين الفرقة الموسيقية زمانا، بمجموعة تتكون من آلة العود والكمان بمصاحبة آلة للإيقاع، دخلت عليها لاحقا آلة الأكورديون، ورغم استخدام بعض الرواد مثل "خليل فرح" آلة البيانو في بعض أغنياته، إلا أن ذلك ظل جهدا فرديا صعب اتباعه، وأظن السبب صعوبة الحصول على الآلة نفسها أو صعوبة تحريكها، لكبر حجمها وثقل وزنها، وينطبق عدم انتشار الاستخدام على آلة القانون، التي أكثر من استخدامها المبدع "إبراهيم الكاشف"، ولكن سبب تواريها في رأي سوداني بحت، فصوت آلة القانون يميل لجانب الموسيقى الشرقية، التي لا يحبذها المتذوق السوداني، ولا تميل لنغماتها أذن المتذوق السوداني.
سيطرة الفرقة الموسيقية المعروفة الآن
ظلت الفرقة الموسيقية في وسط ومركز السودان، تتكون من نفس عائلة الآلات التي بدأت بها، وتسمية عائلة ترجع للشبه بين الآلات، أو انتمائها لنفس فصيلة الصوت، مع بعض الاختلاف في رخامة الصوت أو حجم الآلة، فعائلة الكمان مثلا تضم الكمان والفيولا والشيلو والكونترباص، وشارك التواجد المتصل معها آلة العود والأكورديون والطبلة والبنقز، في حين تم التعامل مع آلة الكونترباص كأنها آلة وترية إيقاعية، وتناقص استخدامها حين حل محلها الباص جيتار الكهربائي.

انتشار الآلات النحاسية ومن ثم ما أسميناه غناء الجاز
بدأت نتائج الانفتاح الثقافي في السودان تظهر، وتسربت الأغنية الغربية والإفريقية، فعرف السودانيون بوب مارلي ومريم ماكيبا، وحفظوا وغنوا أغنياتهم، وتسربت في تلك الفترة آلات الموسيقى الغربية، فعرفنا الجيتار بأنواعه، الليد والبرش والريذم، وعرفنا البيز والدرمز، وانتشرت الفرق التي تستخدم الجيتار كأساس لغنائها.
ثم وقع حدث مهم جدا، أعطى هذا التزاوج زخما وتسارعا كبيرا، وهو إضراب الفنانين الشهير، الذي قاده الفنانان إبراهيم الكاشف وعثمان الشفيع، بعد تكوينهم رابطة الفنانين، التي تمخضت لاحقا عن اتحاد الفنانين، وكان إضرابهم عن العمل قد أعلنه المغنون المتعاملون مع محطة الإذاعة السودانية، مطالبة برفع أجورهم، وكان الإضراب عام 1950م، وحين أوقفوا تعاونهم مع محطة الإذاعة، ولم يتراجعوا، تأثرت برامج الإذاعة الغنائية، إذ كان بث الإذاعة آنذاك حيا مباشرا، قبل معرفة وتداول أجهزة التسجيل الصوتية، فاستعان مدير الإذاعة، "متولي عيد"، ببعض الموسيقيين من فرقة قوة دفاع السودان (موسيقى الجيش)، فجاؤوا مع آلاتهم، وبعض المغنيين غير المعروفين والهواة، وكانت الآلات الجديدة كلها آلات نفخ نحاسية، فزخرت فرقة الإذاعة بآلات مثل الطرمبة والساكسفون والكلارينيت والترمبون، وحينها أسرع المضربون للعودة لمرافقتهم، وبذلك تكونت الفرقة الموسيقية التي تشبه في شكلها فرقتنا الحالية.



أما المدرج الموسيقى فهو المجال اللوحي الذي يمكن الموسيقي من كتابة أو قراءة الموسيقى، وهو يمكن الكاتب من وضع كل العلامات الموسيقية والإشارات والإرشادات التي تفسر وتحدد ما يريده مؤلف المقطوعة أو اللحن، فهو يكون بمثابة قاموس دقيق يشرح فيه المؤلف كل تفاصيل مقطوعته الموسيقية، لمن يود ترجمتها صوتيا، والأساس منه الأسطر الخمس ذات المسافات الأربع، ولكن لديه إمتدادات علوية وسفلية، حسب درجة الصعود أو الهبوط على السلم.
ولشرح "المازورة" سأتحدث عن الموسيقى كلغة، فاللغة المكتوبة عبارة عن مجموعة من الأحرف والعلامات التي ننتقي ونجمع بعضها معا لنكون الكلمات، ثم نجمع الكلمات لتكوين الجمل، التي بدورها تعطينا فقرات لموضوع ما يكتمل ليكون شيئا مكتوبا ومقرؤا ومف هوما بل يمكن عزفه. هذه بالضبط فكرة كتابة الموسيقى، نجمع حروفا موسيقية نكون منها مازورة، ومازورة مع أخرى تكون سطرا، حتى تكتمل القطعة، وكلها تكتب على المدرج الموسيقي.
أما الإيقاع فهو الهيكل العظمي الذي تقوم عليه القطعة الموسيقية، ولا تكون موسيقى إلا وأساسها الإيقاع، حتى السيمفونيات والموسيقى الغربية الكلاسيكية، إنما تبنى أساسا على الإيقاع، الذي لا يكون بالضرورة مسموعا، ولكن الإحساس به بوضوح وجلاء هو الأساس، والإنسان مفطور على الإيقاع، حتى بصورة لا إرادية، فنبض القلب يحكمه إيقاع والتنفس ورفة رمش العين لهما إيقاع، وكل وظائف الجسم الحي الحيوية تعمل وفق إيقاع منتظم.

نتائج حرب الإنقاذ على الموسيقى والغناء
والشكل المراد الوصول إليه بتواصل هذا المسار
أظلم الجو فجأة واكفهر، وعم الكدر وكسى البلد حين اجتاحنا نظام الإنقاذ، وبدأت أفاعيلهم ومؤامراتهم ضد كل ما هو سوداني، كأنما يكرهون هذا الاسم ويكفرون بهذا الانتماء، فلم يعفوا شيئا، أحرقوا الزرع وأهلكوا الضرع، فاقتلعوا الشجر، وأفقدوا الخرطوم زينة خضرا كم افتخرت بها وميزتها، وكم أشاعت ريح الصحة لأنفاسنا والرواح لنفوسنا، هل تذكرون كيف كان شارع النيل مخضرا؟ كان الغادي يستظل بالشجر الغزير منذ مغادرته كوبري أم درمان، ويروح في ظلال ورواح حتى يغادر مكتب النشر، في حدود بري وبعد مستشفي العيون، وهل من يذكر كيف كان مستوى الخضرة في كل مربع حدائق الحيوان؟ لقد صدروا إناث المواشي وباعوا بذور الهشاب، فأفقدونا تفرد عمادنا الاقتصادي، وأشعلوا الحروب فقسمونا واقتتلنا، وأحرقوا غاباتنا الغزيرة، ثم هجموا على تراثنا الموسيقي يحاولون اقتلاع جذوره من جذورنا، فغيروا ما درجنا عليه من كتب المطالعة وتعليم اللغات، تلك التي جعلت السوداني يتميز بين العالمين بعلمه وثقافته، وبدلوها بسفاسف لا تعلم شيئا، ثم اكتروا من صاغ لهم الشعر يغنى على ألحان درر أغنيات الحقيبة، الحقيبة الخالدة رغما عنهم، ليحلوها محلها في نفوسنا، وهيهات، وألزموا الأطفال في المدارس بترديد أشياء تافهة غميئة، ثم منعوا الغناء، حتى ترديد القديم منه، وحين باءت محاولاتهم فشلا صريحا مفضوحا، أقدموا على جريمة كبرى ليس لها من تعويض، أحرقوا مكتبة الإذاعة، أحرقوا صرحا حفظ تراثنا وجواهر إرثنا الجميل من تسجيلات فريدة ليس لها مثيل، ثم كان من ضمن حربهم على فن الغناء السوداني أن أطلقوا علينا قطعان الغنائين الرمامين، وسهلوا أمر توليهم أمور الغناء، وأكسبوهم من خلال غنائهم التافه المنحط الهزيل، ما شيدوا به الأبراج وأقاموا به الشركات، وصاروا به يرفلون بين الناس في الحرير، وهم لا يملكون من أساس الفن أقل القليل، وبذا كان لهم تحطيم فن الغناء والبدء في تدمير كيان التراث السوداني، في طريق مسح إسم السودان من الوجود، وإزالة كل جميل يمت له.


نوعية المشاركات الغنائية
كانت البدايات أيام الثورة الأولى عبارة عن شعارات في شكل هتافات، سهلة الترديد، قوية المعنى، واضحة المعلم، فكانت "تسقط... تسقط... تسقط... بس"، ويا له من دوي وإيقاع تجد نفسك تود أن تداوم على ترديده جهرا وبملء حنجرتك، ثم توالت الهتافات "حرية سلام وعدالة... والثورة خيار الشعب"، والذي تطور حسب تطور الأحداث إلى "... مدنية خيار الشعب"، وربي العظيم ما كانت في العالم ثورة واحدة حملت هذا الشعار، أبدا وعلى مر التاريخ، ومن الملاحظ حجم الموسيقى فيه، فهو مثل المارش العسكري، يضبط الخطوة ويشيع حماسا في النفس، ويفعل في القلب ما تفعل الموسيقى.
ثم هتاف "أي كوز... ندوسو دوس"، وتوالت الشعارات وتتالت الهتافات، فجاءت النفوس الثائرة بشعار "سلمية... سلمية... ضد الحرامية"، وكلها تحمل، مع معانيها البينة القوية الواضحة، لحنا سودانيا صميما، وإيقاعا قويا يهز أخمص الوجدان، هل من لم يسمع "يا عنصري ومغرور... كل البلد دارفور"، أو "برهان مالو... برهان وسخان... الجابو منو... جابو الكيزان"، ثم شعار المطالبة بالقصاص "الدم قصاد الدم... مابنقبل الدية".

بدأت المشاركات الغنائية تظهر خلال هذا الزخم المتلاطم، خافتة خجولة من شباب ليس لهم إلمام بعلوم الموسيقى، ولا أي تجارب في الغناء، بل حداهم حس الوطنية فيهم فجهروا بما كانوا يحسون، ولكن ما كان ما قدموا يرقى، من ناحية التقييم الفني، لإيقاعات الهتافات، والترديد الجماعي للكلمات البسيطة المعبرة عن واقع الحال.
وانتشرت كميات هائلة من الشعر، فيه الجيد وغيره، ونسب بعضه لأسماء وكان معظمه مغفلا، ولعبت التقنيات ووسائل التواصل الحديثة ما لعبت في نشره، ولكنه لم يسر إلا بضع خطوات وتعثر، فانتشار الأغنية أسهل وأسرع، وعسى أن تعود لنا بعض هذه القصائد ملحنة مغناة.

سمعت أصواتا تغني أشياء وألحان لم نعتد عليها، مثل ما يدعيه بعضهم أنه يغني (راب) باللهجة السودانية، مع عدم وجود هذا الشيء، فالراب هو نوع من التصويت الإيقاعي الجمايكي (من دولة جامايكا)، فكيف يكون باللهجة السودانية، وليس هذا مجالنا لشرحه الآن، ولكن حين وجد ما قدموا تجاوبا فاترا، فترت هذه الأصوات ثم سكتت غير مأسوف عليها، فخوفي من تأثيرها السلبي يفوق أسفي على حسرة أصحابها.

ساهم البعض القليل من الموسيقيين أو المغنيين المعروفين بأعمال تمجد الثورة، ولم يكتب لها النجاح، ولعل مرد ذلك الإحجام أو التكاسل لأحد أمرين، مترادفا مع عدم الجودة الفنية المطلوبة أصلا، فإن أعجزه الخوف إن تسرع وقدم عملا أن يتهم بالانحياز للثورة، فإنه إذن يتخذ جانبا غير مناصر، وفي هذه الحال فليذهب غير مأسوف عليه، أو أنه قد تعود التأني في إخراج الأعمال الفنية، بغية تجويد عمله، فرغم أن لا أحد يلومه على ذلك، بل هو التصرف المحمود، إلا أنه نسي أن الثورة ماضية وستتركه وراءها، ونحن ماضون مع شبابنا أينما ساقتنا الثورة، وسنتركه وراءنا.

تم فضح عدد من المغنيين المنتسبين لفن الغناء، المحسوبين عليه ظلما وتعديا، أولئك المغتنين من الغناء بانتمائهم إلى جحافل الإنفاد، فرفضهم الشارع في صدق الثورة وأوجها ونظافتها ووضوحها، وبذا كفينا حربهم، فلا هم سيجرؤن على الظهور، ولا نحن سندعهم يظهرون، (أمثلة من المغنيين الأمنجية:- فرفور، عاصم البنا، طه سليمان)، وما خفي أعظم، فهم كثر...

ظهرت أغنيات بسيطة ولكنها مباشرة في خطابها، تنادي للثورة وتحي روح الشباب وتطورت نوعية المشاركات الغنائية، واكتسحتها القصيدة الجماعية، فقد كانت سهلة وكلماتها بسيطة ومباشرة، فهي تخرج من القلب لتدخل في القلب، وتفوقت "الكنداكات" في هذا المجال، فغنت الميرم وشالت مهيرة، فقدن الخطى بإيقاعهن القوي خلال المواكب، كما أن هذه القصيدة تجعل الكل جمعا مشاركا، وأظن هذا ما وصلنا إليه اليوم، وإلى أن تنتصر الثورة وينجلي الغبار، سيتم صياغة ألحان ثورية وأناشيد تشبه ما يقود الخطى ويضبط الإيقاع في المواكب، فثورة الشباب تحدد المقبول من الشباب، وما يتناسب مع لهجة الرندوق هو موسيقى الرندوق، ويجب على جيلنا أن يعلن قبوله ما رفض قبلا...

خلصنا سابقا إلى أن ما يستخدمه السودانيون في موسيقاهم هو السائد في الأغلب والأعم من العالم، ورغم ذلك ظل كثير من الحادبين يطرحون تساؤلا عن أسباب عدم انتشار موسيقانا في العالم العربي، ولعلي أخلص لإجابة غاية في البساطة، رغم رفض العموم لها، ولن أطيل فيها كي لا تقود الموضوع غير ما خصت له، والإجابة هي أن السودانيين ليسوا عربا، رغم ما يدعيه بعضهم، بل هم زنوجا أفارقة وفراعنة نوبيين تعلموا اللغة العربية حتى بزوا الأعراب وفاقوهم علما بها، ولهجاتنا العامية الدارجة تشهد على ذلك، ومن ادعى من العرب أن الكلمات في أغانينا غير مفهومة، وهم غالبا يفعلون، فإني أردها لعدم تمكنهم، وهم العرب دوننا، من فهم اللغة العربية وتناولها كما فعل وأجاد السودانيون، وهو فضل يمتاز به أهل السودان على عموم الناطقين بالعربية، إذن فتفرد موسيقانا عن موسيقى العرب يعود إلى أننا لسنا عربا، فالموسيقى إحساس وتذوق ينتقل مع الجينات التي نتوارثها عن أسلافنا، ويحفزها تراثنا وموروثاتنا، فإن اختلت اختل التراث وتلاشى، وإن بادت أخذت معها هويتنا وروحنا وتميزنا، وإن تلاشى تراثنا واندثر ماتت هويتنا وتفرق كمنا بين الأمم دون أن يكون لنا من يندب حظنا.

ما بال الموسيقى الصينية، مثلا، غير منتشرة بغير مناطقها، والصينيون يمثلون قرابة تسعة عشر بالمائة من سكان العالم، أما كان من الأحرى انتشار موسيقاهم لتعم العالم وتجتاحه بدلا من المد الغربي الذي يغمرنا؟! أنا أرجع ذلك لانغلاق الصين على دواخلها حينا من الدهر، أما عنا فقد اجتاحنا الأقوى، وفرض علينا علمه وثقافته وطرح حضارة لا ننتمي لها ولا تشبهنا، وحارب فينا كل ما هو أصيل يعبر عنا وعن تراث أجدادنا وماضينا التليد، ثم زدنا من عندنا أن نعتنا بالجهل والتخلف كل من رفض هذه الثقافات الدخيلة أو حاول الوقوف في وجهها رفضا، ووصفنا بالعلم والتطور من لبس ثوبهم وجرى مجراهم، ولم يختلف المقيم بأرضه عمن تغرب عن وطنه منا، وأعني من عاش حينا في دول الخليج العربي، فتشبع بثقافاتهم المجلوبة، أو هاجر لدول الغرب المتسلط، وحاكي الغربيين، إذ لم يلتفت لتربية أطفاله تربية وطنية سديدة، فمن فهمنا الخاطئ اعتبار الموسيقى والغناء وكافة الفنون من توافه الأمور وسقط المتاع، ذات الأهمية الدنيا في حياة أطفالنا وشبابنا، فنشأوا لا يعرفون غير الأغاني العربية والخليجية والألحان الغربية الدخيلة علينا، التي لا تربطنا بها أي وشائج، ولا تعبر عن تاريخنا ولا تحمل داخلها تراثنا، فكبر صغارنا وتاريخ السودان وتراثه يكاد لا يعني لهم شيئا إلا ما يفرض عليهم في بعض المناهج الدراسية الفقيرة من الوطنية الخالية من معاني الانتماء، وليس ذنبهم ولكن ذنب من أهمل فيهم وهم صغار يستوعبون ويتشربون المعرفة، وها نحن نعيش الآن مغبة ما أهملنا، ونجني حصاد ما زرعنا.

انتشرت ظاهرة التقليد والغناء باللهجات والألحان العربية والخليجية، وهو قد نقله لنا إهمال السودانيين المقيمين في دول الخليج حين يعود أبناؤهم للسودان شبابا ومراهقين تشبعوا بكل الروح والشخصية العربية الخليجية، ونسي أهلهم وانشغلوا بسبل العيش، تربيتهم بأساسيات الوطنية، ظنا منهم أن الموسيقى والفنون قد تلهي أبناءهم عن التحصيل والعلم، ونسوا أن يزرعوا فيهم صلب التراث القويم الذي تحدر إلينا من آبائنا وأجدادنا، أما من كان أهلهم مقتدرون فاقتنوا آلة موسيقية تسهل عليهم نقل هذا اللون من الغناء الذي لا ينتمي لنا ولا نمت له بصله، فقد دقوا مسمارا لولبيا في نعش ثقافتنا وفنوننا وتراثنا التليد ليقودوه للفناء المحتوم.

ثم هنالك ما يسمى غناء (الراب Rap) أو (الهيب هوب Hip Hop)، ولمن يتشدقون بأنهم يغنون راب، فأنا أتبرع بهذه المعلومة عن الراب، حتى لا يتعاملوا مع شيء لا يعلمون أصله ولا ماهيته، وبالذات حتى لا يظنوا أنه فن سوداني، فهو ليس سودانيا ولا عربيا ولا حتى إفريقيا، إنما الراب أصلا أهازيج للشكوى من سوء الحال، بدأت في حقبة السبعينات حين كان المستوطنون الجامايكيون الفقراء المضطهدون من قبل الأمريكان، يشكون حالهم لبعضهم بكلمات إيقاعية موقعة تتخذ شكل لحن بسيط جدا، ولكنها لا ترقى إلى أن تسمى غناء، وكانوا يخفونها لتكون غير مفهومة إلا لهم، أي في شكل همهمات متكررة، خوفا من بطش الأمريكان إن فهموا ما يقال.
إذن لماذا نحاكيهم وقد فرضت عليهم ظروف حياتهم البائسة أن يشكوا حالهم في العلن المخفي، خوفا ورهبة من البطش والعقاب.

شاعت وعمت الفضائيات التي لا تهتم بالسودان ولا وطنية السوداني بقدر اهتمامها بالكسب المادي، وساهمت بالدور الكبير في نسيان جيلنا الناشيء جذوره وماضيه وتراثه التليد. الأمثلة كثيرة، فالموسيقى شرقية والأغاني غربية، حتى أن هنالك "راب" سوداني، و"سيرة" خليجية يتشدقون ملء أفواههم بإتقانها، وكل هذا يمر تحت أنوفنا دون أن نكترث له، فعلى سبيل المثال، ما بال البرامج وما تقدم محطات التلفاز من مختلف إذاعاتها، تصاحب غالبا بالموسيقى والمقدمات الأجنبية، شرقية وغربية، مالها موسيقانا؟ لماذا لا نصحبها بموسيقى من واقعنا وألحان تصور بيئتنا، ماله غناؤنا ومالها ألحاننا؟ إنهم يظنون أنه التطور والتقدم والعالمية، وهم واهمون، فأنا على يقين أنه جد التخلف والتبعية والدونية والإحساس بالصغار. إن أدار أينا مؤشر التلفاز لأي قناة عربية أو غربية من القنوات المنتشرة، ودأب على مشاهدتها طيلة أربع وعشرين ساعة، فأنا أجزم أنه لن يرى ولن يسمع أي شيء سوداني ولا أي نغمة تعود لغير البلد الذي تبث منه القناة، وهنا تكون الدرجة الأولى لخلق روح الوطنية، فمن حقنا على القائمين على أمر القنوات، رسميين وغيرهم، ألا يفرضوا علينا رؤيتهم المشوشة المغلوطة، وإن كانوا يريدوننا أن نسمع ونشاهد أشياء من غير بلدنا، فليتركوا لنا الخيار لندير القناة للبلد الذي نريد، ولا يفرضوا علينا أشياء تسهم في إنقاص إحساسنا بالوطن، حتى يبقى تلفازنا سودانيا صميما وتبقى قنواتنا وطنية بحق، فدور الإعلام دور فعال، سلبا كان أو إيجابا، ووطنيتنا وأجيالنا الناشئة منوطة لحد كبير بدور الإعلام، لذا لابد من صحوة واستفاقة، وإن استدعى الأمر صفعة مؤلمة، فليكن.

صار النقد الفني بلية في حد ذاته، فالناقد النافذ يتقاضى أجرا جاريا من المغني، وهو من يسمى خطأ بالفنان، كي يكتب عنه حتى يتردد اسمه في المحافل والفضاءات الفنية ويذكر كثيرا.
إن النقد الحق ينبني على أساسيات لا تتوفر لنقادنا الحاليين، إلا النزر اليسير منهم، كي لا أظلم الصادقين، فالناقد يحمل قلما يبني ويهدم ما شاء له، فيجب إذن أن يكون ملما بدقائق الموضوع الذي يتحدث عنه، إن كان سياسيا فيجب أن يكون ملما بالسياسة مثل أهلها، وإن كان رياضيا فلابد له من معرفة دقائق الرياضة التي يتحدث عنها، وكذا إن كان فنيا موسيقيا فلابد من إلمامه بدقائق الفنون التي يتناولها، فأنا مثلا لا أتقبل نقدا من شخص يقل عني في مجالي الذي أتقنه، إذ كيف له نقدي، مدحا أوذما، وهو لا يفهم عن موضوع حديثه إلا مثل ما يفهم المتلقي العادي، فما بالك بمن يجندون أقلامهم وألسنتهم لقاء جعالات يتقاضونها. لذا فقد صار النقد الآن من أساسيات البلاء الذي عمنا. أصلحوا نقادنا ينصلح حالنا.

أظن هذا ما نريد...
ختاما، يتوجب علينا القبول بما يقدمه الشباب من فنون غنائية موسيقية، مثل قبولنا ما قدموا لنا من ثورة شبابية سلمية، زلزلت أركان الطغيان، رغم عدم إيماننا بهم بداية، فكم سخفنا أعمالهم وكم قللنا من قدرهم، حتى اندلعت الثورة، فقدموا الشهيد يسوقونه بهتافات مموسقة تفطر القلوب، ولكنها توطدها وتجلدها وتزيدها رسوخا، أما من جانبي، فأنا سوف أنقاد لهم فنيا، كما انقدت لهم ثوريا، وبما أنهم نجحوا في ما فشل فيه جيلنا، مع تبجحنا وادعائنا وتعظيمنا الكاذب لأنفسنا، فاقتلعوا ركائز الكيزان، الذين أذاقونا الويل أصنافا سنين عددا، ونقضوا غزلهم الذي نسجوه أجيالا تماثل أعمارهم، فلعلهم ينجحوا في نقل موسيقانا إلى مصاف العالمية، وبالطريقة والأسلوب الذي يروقهم، وأنا أشهدكم والعالم حولي أني أسلمتهم رأسي، فإنهم "الجيل الراكب راس"…
إنتهى
