top of page

كلمات في حق
عبدالعزيز أبوداؤود

عثرت على هذا الموضوع المتفرد، الذي خطه البروف الدكتور ود الريح، عطر الله أيامه ولياليه بدوام الصحة والعافية، وجزاه عن الشعب السوداني كل الخير ونعم الجزاء. الموضوع عن الأستاذ الفنان المتفرد صاحب الحنجرة الأسطورية والأداء الفلكي، عبدالعزيز محمد داؤود، في موقع على الشبكة العنكبوتية، وقد بذلت على تقويم أخطاء الطباعة فيه جهدا عظيما، وهانذا أنشره مجددا، عسى من لم يقرأه يجد فيه بعضا مما وجدت، ومن قرأه يعيد التمتع بما فيه من مادة دسمة وأدب عظيم، وتقدير لا يبلغ أسافل أقدام عملاقنا العظيم، ولكن عساه يوفيه بعضا قليلا، من حقه علينا.

هاشم خوجلي

##################
أ.د. محمد عبد الله الريح
أمير الغناء منذ زمن هارون الرشيد
عبدالعزيز أبوداؤود
(2)
##################

 

الزمان   : مايو 1971م
المكان   : الكويت
المناسبة : أسبوع السودان فى الكويت

صعد أبوداؤود إلى المسرح أكبر من الحقيقة، مهيباً شامخاً يحمل رسالة السودان الفنية فى ذلك الاسبوع، وهو يبدأ الغناء ويفرض سيطرة كاملة على وجدان الحضور برائعة شاعر الاجيال حسين بازرعة

قل لي بربِّك كيف تنسَى الموعدا
والليلُ احلاٌم وشوقٌ غردا
والجدولُ الهيمانُ حولنا عَرْبدا
كانتْ ذراعاكَ لرأْسي مَرْقَدَا
عَجَباً، أََتنساها وتَنْسَى المشهدَا

ويقفز الشيخ عبد الرحمن العتيقي، وزير المالية والنفط الكويتى في ذلك الوقت، ويلقي بغترته وعقاله على أبوداؤود ويخلع ساعته الذهبية ويلبسها له ثم يقدم له “كبريتته”.

وقتها سرت فينا نحن السودانيين قشعريرة جعلت "شعرة جلدنا تكلب” وقد ظلت “مكلبة” إلي يومنا هذا عندما يغنى أبوداؤود. هذا فى زمان غير زمان المأمون أو الأمين أو إبراهيم بن المهدي، بل فى زمن يمكن أن يوصف بأنه زمن أبوداؤود. أليس معنا الحق أن نطالب بإمارته للغناء فى زمن الخليفة هارون الرشيد، وأهل صناعة الغناء فى عصر الموصليين بأثر رجعى؟
أليس معنا الحق أن ننبه أبا الفرج الأصفهاني أن يفرد فصلاً كاملاً فى كتابه ”الأغاني” لأبوداؤود بشئ لم يألفه المجتمع الأموي أو المجتمع العباسي، وهو يترنم بإنشاد ومديح ومواجد القوم أهل الصلاح

بأسمائك الحسنى دعوناك سيِّدي
تقبَّلْ دُعانا ربنا وأستجبْ لنا
بأسرارها عَمِّر فوادي وظاهري
وحقق بها روُحي لأظفر بالمنى
ونور بها سَمْعي وشمِّي وناظري
وقوِّ بها ذوقي ولمسي وعقلنا
ويسِّر بها أمري وقوِّ عزائمي
وزَكِّ بها نفسي وفَرِّجْ كروبنا
ووسِّع بْها رزقي وعلمي وهمتي
وحسن بها خَلْقي وخُلُقي مع الهنا

ولكن ما حدث لنا يا صاحبي أمر عجيب، إذا حكيته لك ستظن أن مساً من الجن أصابني، أو أن حمى الملاريا قد صعدت إلى دماغي، ولكن شيئاً من هذا أو ذاك لم يحدث، ولكن الذي حدث هو رحلةٌ فى أغوار التاريخ وأنا بصحبة أبوداؤود وبرعي محمد دفع الله.

وصلنا بغداد لثلاث بقين من شهر المحرم عام 227هـ الموافق 842م فى خلافة الخليفة العباسي الواثق بن المعتصم بن الرشيد، واستقبلنا عالم علماء الموسيقى إسحق بن إبراهيم الموصلي وجماعته، فاستضافنا فى داره يومين، ريثما يرتب لقاءنا بالخليفة الواثق فى قصره فى السامرا، والتي كان يطلق عليها “سُرَّ من رأى” وقد بناها الخليفة المعتصم على بعد 50 ميلاً من بغداد شرقي نهر دجلة، وكان وصول ركبنا فى السامرا فى الثالث من صفر

إجتزنا شوارعها وقبابها وقصورها حتى وقفنا أمام بوابة قصر الخليفة، حيث أدخلنا مجلساً مفروشاً بالطنافس والرياش وقد أتوا بالمجمر والمباخر فبخروا وطيبوا، وقيل لنا أنزعوا أخفافكم وقلنسواتكم ثم أصيبوا شيئاً من الطعام ريثما يؤذن لكم بالدخول على الخليفة الواثق فى مجلسه. وكل هذا الوقت وإسحق الموصلي وجماعته يحتفون بنا ويطيبون خاطرنا.

مجلس الخليفة تلك الليلة كان يعج بأهل الشعر والعلم والأدب والموسيقى، منهم فيلسوف العرب الكندي، مخلص الموسيقى العربية من الآثار اليونانية والهندية، وواضع قوانين العزف على العود، ومنهم الطبيب حنين بن إسحق واليعقوبي والبلاذري وأبو حنيفة الدينوري، وهؤلاء من المؤرخين، وقد ضم أيضاً المغني مخارق بن يحيى وهو من موالي الرشيد وتعلم الغناء على إبراهيم الموصلي وأحمد بن يحيى بن مرزوق المكي وكان من الضراب الحاذقين المشهود لهم بحسن الصنعة، ومن أقرب المقربين إلى إسحق الموصلي وفليح بن العوراء وكان من أهل مكة وجاء إلى بغداد ليختار مع إسحق الموصلي وإبن جامع المائة صوت للخليفة هارون الرشيد، ومن المغنيات كانت هناك عريب وهي جارية من جواري المأمون وغنت من شعرها فى تلك الليلة

وأنتم أناس فيكُم الغدر شيمةً
لكم أوجهٌ شتى وألسنةٌ عشرُ
عجبتُ لقلبي كيف يصبو إليكم
على عظم ما يلقى وليس له صَبْرُ

فسلبت العقول وحركت الأشجان، وكانت هناك شارية التى تعلمت الغناء من إبراهيم بن المهدي ثم صارت إلى المعتصم، وقد تغنت بصوت حسن وأداء جميل، وشاركتها فى الغناء قلم الصالحية التي أخذت الغناء عن إبراهيم الموصلي فتغنت من الثقيل الاول

فى إنقباضٍ وحشمةٍ فإذا
صادفتُ أهل الوفاء والكرمِ
أرسلتُ نفسي على سجيتها
وقلتُ ما قلت غير محتشمِ

تحدث إسحق الموصلي مع الخليفة، ثم أذن لي بالكلام فوقفت وقلت

أيّد الله مولاي وأعزه، نحن قوم من أهل السودان، قدمنا إلى حاضرة ملككم بعد أن وصلتنا أخباركم وسبقك إلينا صيتكم

فيقول الخليفة
وماذا تقول أخبارنا لديكم؟
أجبت
تقول يا مولاي، إنك قد جمعت بين الملك والأدب والشعر وطيب الغناء، فأما الملك فإن زان غيرك فإنك قد زنته، وإن شرف غيرك فإنك قد شرفته، وأما الأدب والشعر والغناء فهذا ميدانك الذي لا يجاريك فيه أحد، إلا كبا كبوة لا قيام له بعدها، تقدمت الذين قبلك وأتعبت الذين بعدك

وتهلل وجه الخليفة الواثق فقال
أحسنت. ألكم حاجة نقضيها لكم؟
قلت
أحسن الله أمر مولاى. إن مثولنا بين يديكم أعظم ما توجبه النعمة ويفرضه شرح الحال من المقال، فهذا أبوداؤود عبد العزيز بن محمد، سيد أهل الطرب والصنعة فى ديارنا، له من الترجيع والهديل والترعيد، وقوة الصوت ورقته وعذوبته الكثير، وهذا شيخ العازفين وأضربهم بالعود، أتقن فنه والعزف عليه من الثقيل وخفيفه ومن الرمل والهزج ومن غليظه وعريضه، إلى أشده حدة وضيقاً، برعي بن محمد بن دفع الله. ونحن نعلم يا مولاي أنه ليس من هو أطيب صوتاً ولا أحكم صنعة منك، وقد علمنا أنك صنعت أكثر من مائة صوت ليس فيها لحن ساقط، فقدرنا أنك أصلح من يحكم علينا ويجيزنا، فإن استحسنت غناءنا كان ذلك تشريفاً لنا وتعظيماً لا يدانيه تشريف أو تعظيم، وإن بخس فى نظرك وقل فى تقديرك، هدانا الله إلى خير منه

فاستحسن الخليفة ردي ثم قال
وأنت ما شأنك؟ أشاعر أنت؟
قلت لا
قال ألك صنعة بهذا الضرب من الفن مثل صاحبيك؟
قلت لا
قال إذن من تكون؟
قلت أنا تابعهم يا مولاي، مستغرق فى بديع صنائعهم وفنهم، أجلو حلاوته وأبين غلاوته، أعزف بلساني على حواشي أفضالهم فأنال بعض الرضا

فالتفت الخليفة إلى إسحق الموصلي وقال
ما ترى عند هؤلاء؟
قال إسحق أصلح الله حال مولاي الأمير، فإن كان فى صنعتهم ما يفيدنا أخذنا به وعلمناه لتلاميذنا.

وهنا أذن لنا الخليفة بإظهار ما عندنا. وبدأ الساحر برعي ينقر على العود من خفيف الثقيل، وأخرج أبوداؤود كبريتةً وضعها بين أصابعه فاختفت ولم يظهر منها شئ سوى النقرشة التي تنبعث منها، فاشرأبت أعناق القوم لذلك الأمر العجاب الذي لم يشاهدوه فى صناج أو ثلاث

ثم انطلق أبوداؤود يغني الشعر لعبيد عبد الرحمن

صفوة جمالك صافية
كالماء على البلور
ينعم صباحك خير
ويسعد مساك النور

وقد بان على القوم أنهم لم يسمعوا صوتاً كهذا من قبل، وظهر الإستحسان على وجه الخليفة الواثق، ومضى أبوداؤود ليصدح

نور من جبينكْ لآحْ
لا نور شموسْ لا بدور
فقْتَ المعاكْ فى الجيلْ
فقْتَ المعاكَ فى الدورْ

والأمر الذي أذهل القوم وأسكرهم أن صوت أبوداؤود كان يتموج ويرتفع وينخفض وهو ينقرش على الكبريتة، إلا أنه كان ساكناً سكون جبل أحد، وكأنه يأتي على مجرى

وتغني وكأنها لا تغني
من سكون الأوصال وهى تجيدُ

وعندما وصل أبوداؤود إلى

وعذابي لو سراك طبعاً أكون مسرور

وصل الطرب بإسحق الموصلي قمته فقال مخاطباً الخليفة الواثق

بلى يا مولاي. أحسن فأوفى، يسرنا ما يسرك ويغضبنا ما يغضبك حتى ولو كان في ذلك عذابنا
فقال الخليفة
وأيم الله إننا لم نسمع مثل هذا فى هذه الأرجاء، وإنني أعلم الناس بالشعر وببحوره وبفنونه، ما فاتني منه حسن إلا وقفت عنده، وما عرض علي جزل إلا تمعنت فيه. ولكن مثل هذا الغناء ما ظننت أنني ملاقيه. واصل، واصل

وبنقرشة من كبريتة أبوداؤود عبد العزيز بن محمد، نقر برعي على العود فى مقام لم يسمعه أحد من أهل السامرا، فغنى أبوداؤود من شعر عمر البنا

يا زهرة الروض الظليل
جاني طيبِك مع النسيم العليلْ
زاد وجدِي ونوم عيني أصبح قليل ْ
يا زهــــرة طيبك جاني ليل ْ
أقلق راحتي وحار بي الدليلْ
إمتى أراك مع الخليلْ
أجلـس أمامكم خاضع ذلـيل

قال إسحق
ما سمعت هذا الصوت إلا وظننت أن الحيطان والأبواب والسقوف وكل ما في المجلس يجيبه ويغني معه، من حسن صوته حتى خلت أنني أسمع أعضائي وثيابي تجاوبه وبقيت مبهوتاً لا أستطيع الكلام ولا الحركة لما خالط قلبي من اللذة التي غيبتني عن الوجود، هل في هذه الدنيا غناء مثل هذا ونحن لم نسمع به ولم نعرفه؟

واستمر أبوداؤود يصدح ويغني برائعة الشاعر حسين عثمان منصور، وبرعي يعزف، والقوم قد سكروا طرباً وهم يتمايلون مع 

أيُّها العشَّاق دارت كأسكُم
يَوْم جئنا نصطلي مـن ناركُمْ
وصدَىَ الناي وضفاف الغدير تترنم
حُمْرة فى الخدِّ آذاها العبيرْ تتظلم
قصةٌ فى العين والصمت المثير يتكلم

تلك ليلة يا صاحبي لو جلست أحكي وقائعها لما انتهيت، فلم يكن قبلها قبل ولا بعدها بعد، أذهل فيها أبوداؤود عبدالعزيز بن محمد جميع من كان فى مجلس الخليفة الواثق بن المعتصم والذي أمر أن يبقينا عنده أياماً بل شهوراً وهو يستزيد من ذلك الغناء والطرب الأصيل، وأبوداؤود لا يبخل عليه، فأقام رواقاً باسمه ظل باقياً حتى دخول هولاكو إلى بغداد عام 1257م وهزيمته للخليفة المستعصم آخر خلفاء الدولة العباسية


 


أ.د. محمد عبد الله الريح
هاشم خوجلي

 

###########################

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page