top of page

تثقيفات جمركية

تثقيفات جمركية

قصة قصيرة

 

بدأ الموظفون المختصون مباشرة إجراءات وزن أمتعة المسافرين، وكان الوقت يمر بطيئا وأنا أسلي نفسي بمراقبة وجه الموظف المشرف على العمل، لما يوحي به من كدر وسخط وإشمئزاز لا يحاول مداراته، من هذا الكم الهائل من البشر الذي تكدس بإنتظاره. مرت اللحظات ببطء قاتل حتى وجدت نفسي أنهيت وزن أمتعتي بل وإجتزت منطقة مراقبة الجوازات وقد إستقر خاتم الخروج على إحدى صفحات جواز سفري بطريقة عشوائية ليس بها أي اعتبار لتسلسل الصفحات أو لتوافق الأختام

توجهت إلى صالة الجمارك للتعرف على متعلقاتي والسماح للموظف المختص بفتح أمتعتي والإطلاع على ما بها، وكان ذلك إجراءا تقليديا في تلك الفترة، ويتم عادة خلال لحظات، لولا أن القدر كان يدخر لي ما يزيد من كدري وتعكير صفوي. تم تفتيش حقيبة ملابسي من قبل إحدى الموظفات، ثم فتحت الكرتونة التي كنت مكلفا بإيصالها إلى إحدى قريباتي، وتم كل ذلك في هدؤ وسرعة، رغم أني لم أكن على عجلة من أمري لأن موعد إقلاع رحلتي لم يكن قد أعلن بعد. ثم بدأت الأمور تتعقد حين جاء دور أسطوانات خزن المعلومات الخاصة بالحاسب الآلي، والتي كنت أحملها بيدي وهي داخل خزانة صغيرة خاصة بها، ضنا بها من التعرض لما قد لا أحمد عقباه، بدت في الأفق بوادر أزمة، إذ أن الموظفة المحترمة، والتي تعمل في مرفق حساس كجمارك مطار عاصمة السودان، وهو مكان تشاهد فيه كل تطورات العلم في العالم المتحضر الخارجي، وتقابل فيه كل المستويات من الفئات الإنسانية المستنيرة، وهي تمر خلال صالة الجمارك، لم تستطع هذه الموظفة المحدودة الفهم المتدنية الإدراك، أن تعرف ماذا تعني أسطوانة تخزين المعلومات على الحاسب الآلي "سي دي"، ولا ماهية هذه المعلومات التي تخزن، ولا أظنني أستغرب إن لم تكن تعرف ما هو الحاسب الآلي نفسه

رفضت الموظفة المثقفة السماح لي بالمرور، وطلبت المشورة من  زميل لها يباشر تقليب محتويات حقائب المسافرين في سرور وحشي خبيث، كأنه فرح لأنه يطلع على أسرار ما يحملونه معهم، أو على طريقة ترتيب أمتعتهم عند السفر. وجاء وعلى وجهه سيماء الخبير الضالع على كل مستعصي. أخذ المستشار الخبير يقلب إحدى الأسطوانات في يديه وهو يحدجني بين الفينة والأخرى بنظرة تبدو فيها إدانة واضحة وكأنه يقول لي، ها قد وقعت في شر أعمالك أيها المجرم الخطير. وأظن أن الخبير هذا قد تأكد له بأن هذه الأشياء الغريبة الشكل، والتي لا توجد لها مرادفات في كل قواميسهم، لابد أن تكون هي نتاج أعمالي التي وقعت أخيرا في شرها، وهي لابد أن تكون تمويها لشيء جد خطير قصد به شيء أخطر، وهي لابد أن تكون متفجرات أو قنابل موقوتة إدخرتها لأفجر بها طائرة سودانير المسكينة، دون ذنب جنته، وإن لقيت حتفي معها، أو أن ما بها من معلومات، إن كان حقا بها معلومات كما كنت أدعي، هو على أبسط الإفتراضات، معلومات عن أسرار عسكرية أو إقتصادية عالية السرية وعلى مستوى رفيع من الأهمية، تتعلق، ليس بأمن السودان فقط أو بأني ربما أزمعت تغيير مسار نهر النيل العظيم أو تجفيفه، بل قد تمس أمن العالم أو مستقبل الحياة البشرية على ظهر الأرض، أو إيقاف دوران كوكب الأرض حول الشمس

 

.......................

 

مواصلة لتتابع الأحداث فقد تم إخطار رئيس الوردية، الذي إستدعى رئيس القسم على عجل وعرضت عليه أدلة إدانتي الدامغة، والتي لم يعرف لها أصل ولم يتمكن أحد من تسميتها، وأنا قد أعياني الشرح، ولو تواتر تتابع الإستدعاءات هذا، لتم إستدعاء مدير الجمارك ثم مدير المطار متبوعا بمدير الأمن والطيران المدني والعسكري، وقد يصل الأمر لإستدعاء وزير الداخلية ثم حسب منطق التتابع الذي مورس أمامي فحتما سيأتي الدور على رئيس الوزراء ثم رئيس الجمهورية، وأنا من كنت أتوقع أن هؤلاء الناس هم من الصفوة في مجال التطور والتقدم العلمي، لما يحتمه مكان مزاولتهم عملهم من معرفة وثقافة، أو على أقل التقديرات، الدراية الأولية بمنجزات العلم في العالم، وإذا بي أفاجأ بأنه يجب علي أن أشرح ماهية أبجديات الأشياء وكيف تعمل وفيم تستخدم، دون أن أحظى بمن يفهم ما أقول

لم أجد ذهنا يستوعب ما كنت أحاول إدخاله قسرا في رؤوس خاوية تدعي العلم زورا، فكدت أستسلم، بل بدأت أستحضر أرقام بعض الهواتف حتى يتصلوا بمن يأتي ويتسلم هذه المحظورات الخطيرة للغاية، لولا أن المحترم جدا رئيس الوردية، الذي  كان مشغولا مع أحد خلصائه بحديث خاص، قد يكون عن سهرة ماضية أو لاحقة، قرر أن ينهي الموقف وهو ما يزال في مركز القوة، ولشركاء هذه السهرة خالص التقدير مني، إذ أنهم دون علمهم أنقذوا الموقف وحسموا الجدال حين أمر الموظفة بإشارة مبهمة من يده، أن تسمح لي بالمرور وتفرج عن هذه الأشياء الغريبة، بعد أن مر من الزمن مقدار لم أحسه ولكني أدركته حين وجدتني وحيدا وسط موظفي الجمارك، وقد أدرك المسافرون صالة الإنتظار دوني

صعدت زفرات حرى وأنا أرثى لواقع الحال، حالي وحال هؤلاء المسحوقين الذين يعيشون على أبواب الحضارة ولا يجرؤون على إجتيازه، وجرجرت خطواتي قاصدا الصالة، وعند المدخل فوجئت بأن أمامي صور حقيقية أخرى لكامل معنى الفوضى ومرادف التخلف، وعدم النظام واللامبالاة، فلسؤ حظي كان المكان  على ضيقه، غير مقتصر محتواه على ركاب الطائرة التي سأقلع على متنها، بل يبدو أن هنالك رحلة أخرى، وقد تأخرت عن موعد إقلاعها، كما هي طبيعة الحال بمطار الخرطوم الدولي، وقد جلس المسافرون عليها على جل المقاعد، وأنا أقول مجازا أنهم قد  جلسوا، فالواقع أنهم قد تكدسوا وتراكموا، وسط حقائب كبيرة وفوق زكائب ضخمة وبين أمتعة  كثيرة ومهولة

 

.....................

 

خلاصة القول أنى وجدت لنفسي مكانا وسط جمع من السودانيين، فالرحلة  الأخرى كانت ستقل غيرهم، وكان هؤلاء يشتركون فى حديث يتجاذبون أطرافه، لم أحاول الاشتراك فيه، بل أخرجت كتابا عن تشغيلات الحاسب الآلي، كنت ادخرته لمثل هذه اللحظات وطفقت أشغل نفسي به عن الضجة الثائرة حولي فى لا شيء، وعن الانتظار غير  معروف الأمد

استغرقت فى قراءة ما بيدي حتى قطع إتصالي بالكتاب ضجيج وهياج وهرج،  فرفعت رأسي مستطلعا، وإذا بجميع ركاب الرحلة المتأخرة قد هرعوا إلى حاجياتهم فحملت منها رؤوسهم ما حملت وتعلقت على الأكتاف ما تعلقت وتشبثت الأيدي بالكثير المتبقي بينما بعضه يتم جره جرا، ثم أخذوا يتدافعون نحو المخرج الضيق المؤدي إلى الطائرة وهم يصخبون ويتمايلون ويتصايحون حتى طغت أصواتهم وزعيقهم على ما عداها من أصوات فى تلك الصالة المغلقة، وقد فعل رجع الصدى بأذني فعلا شنيعا، وطفقت أراقب خروجهم بينما الضجة تتلاشى وتضمحل بتناقص عددهم حتى إستقرت على همهمات ودمدمات تصدر عن مواطني الذين أخذ النعاس أغلبهم، فرجعت  لكتابي ولسان حالي يرثى لكل الشعوب المسحوقة، وأنا منهم، وهى تحمل أسباب تخلفها فى  حلها وترحالها

وأنا في ذلك إذا بشخص يجلس بجانبي، وقد خلا من المقاعد أكثرها، ويبدأ  بعد إقرائي السلام، الحديث معي وأنا عنه راغب، إلا أنه أخبرني في مفتتح حديثه أنه كان  يراقبني منذ فترة خلت وقد ود لقائي والتعرف علي حين رآني أنعزل عن مركز الهرج وأقرأ شيئا عن الحاسب الآلي، فله به إلمام وإهتمام، فوجدت نفسي قد إنجذبت للحديث إليه، وعلى  أسوأ الافتراضات فلن يكون موضوع حديثنا ما كان مطروقا من قبل الآخرين

إستغرقنا الحديث وتفرعت بنا دروبه وتشعبت، حتى نودي على الركاب للصعود للطائرة للإقلاع فكنا آخر من يدلف إلى طائرة الخطوط الجوية السودانية من طراز بوينج 707،  وحديثنا بعد متصل، والوقت يشير إلى ربع الساعة قبل الواحدة من صبيحة ثاني  أيام شهر أغسطس فى عام 1990م

 

...........................................

...........................................

هاشم خوجلي

سبتمبر 1990م​

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page