top of page

كلمات في حق
عبدالعزيز أبوداؤود

عثرت على هذا الموضوع المتفرد، الذي خطه البروف الدكتور ود الريح، عطر الله أيامه ولياليه بدوام الصحة والعافية، وجزاه عن الشعب السوداني كل الخير ونعم الجزاء. الموضوع عن الأستاذ الفنان المتفرد صاحب الحنجرة الأسطورية والأداء الفلكي، عبدالعزيز محمد داؤود، في موقع على الشبكة العنكبوتية، وقد بذلت على تقويم أخطاء الطباعة فيه جهدا عظيما، وهانذا أنشره مجددا، عسى من لم يقرأه يجد فيه بعضا مما وجدت، ومن قرأه يعيد التمتع بما فيه من مادة دسمة وأدب عظيم، وتقدير لا يبلغ أسافل أقدام عملاقنا العظيم، ولكن عساه يوفيه بعضا قليلا، من حقه علينا.

هاشم خوجلي

##################
أ.د. محمد عبد الله الريح
كلمات في حق
عبدالعزيز أبوداؤود
(1)
##################

 

ولد الفنان العملاق عبدالعزيز محمد داؤود في مدينة بربر في اليوم الأول من يناير عام 1927م وتوفي في الخرطوم بحري في اليوم الرابع من أغسطس 1984م. ووجب علينا أن نوفيه حقه من الإعتراف والإمتنان بما قدمه للفن وما سطره في ذاكرة الشعب السوداني من مباهج راسخة.

 

إهداء إلى أسرة الفنان الراحل .. إلى محبى فنه ..

إلى الشعب السودانى الذى جلس على النجيلة وتغنى مع أبوداؤود.
 

عندما يتهاوى جدار الصمتْ وتَخْرجْ الكلمات وتصيرُ أشعاراً، تهبط على أوتار يعزفها برعي محمد دفع الله، عندما تصير الأشعار ألحاناً تجري لمستقرِّ لها عند حنجرةِ أبوداؤود، يمتلئُ الكونُ غناءً وتخضرُّ الصحارى اليابساتْ وتهبط فى روابينا الأفراحْ ويتمدَّدُ الوقتُ فى شراييننا، عندها ندركُ أن أبوداؤود يغنِّى.
 

ذات يومٍ سرحتُ بعيداً وأنا أمتطي صهوة نغماتٍ خالداتٍ كان يردِّدُها أبوداؤود 

يا أنَّة المجروُح

يا الروحْ حياتَك روحْ

الحبْ فيكْ يا جميلْ

معنىَ الجمال مَشَرُوحْ

بنهاية كلمة "مشروح" ينطلق فعلٌ ما، شرارةٌ ما، تغمر الإحساس، تتطلب رد فعلٍ من نوعٍ ما، شئ فى تكوينك الوجداني يتفاعل مع عشرات المؤثرات الموسيقية والصوتية، وينتجُ عن هذا طربٌ هائل لا يمكن قياسه بمقدار ما.
 

للحب لهيب فى الجوف

زيو الزناد مقدوح

مِنُّو الجبابرة تلين

كل شئ يلين فى تلك الحظة، يترك الجماد هيئته ويتحوَّل الى سائل، يرتدي السائل غلالة شفافةً فيتحول إلى بخار نستنشقه داخل رئاتنا وخلايانا، وهكذا يتحوَّل الطربُ الخارجي إلى طرب داخلي.
 

سالتُ صديقي ونحن نستمع الى أغاني مسجلة لأبوداؤود:-

 

هل تعتقد أنه سياْتي فنان مثل أبوداؤود؟

رد - ربما فى التطريب شئ يقارب، ولكن فى قوة الصوت والأداء، لا اعتقد. أبوداؤود ظاهرة طبيعية لا تتكرر، وأذكر أيضاً أنه قال لي:-

أبوداؤود مجموعة مؤثرات كثيرة، بسطة فى الجسم، حضور دائم، بديهة حاضرة، إنشاد، غناء، مديح، ترنيم، دندنة، عبور غير محدود بزمان أو مكان نحو الآخرين. إبن مليون نكتة حفرت مفارقاتها فى ذاكرة الشعب السوداني. أبوداؤود كبريتة تحفظ الإيقاع، تكرار كل هذا مرة أخرى مستحيل. ربما يكون فى هذا الفنان شئ من أبوداؤود، وفى ذلك أيضاً، فهو إذن مفرَّق على عدد كبير من الفنانين والمبدعين.
 

أما لماذا ساْلته ذلك السؤال، فلأنني طيلة هذه السنوات وهذا العمر وأنا منشغل بلغز صوت أبوداؤود. وبالنسبة لى تماماً كما ذكرت. فهو ظاهرة طبيعية. يأتي الخريف. يزحف الشتاء. يطل الصيف. يأتي صوت أبوداؤود كإحدى نعم الخالق جل شأنه التي أنعم بها على عبد من عباده.
 

فى المرحلة المتوسطة وأنا طالب فى بداية الخمسينات بمدرسة الأبيض الوسطى، كنت أنتمي للفريق الذي يعد أبوداؤود فنانه المفضل، وكنا نقدم أغانيه فى الاحتفالات التي كانت تقيمها المدرسة بمناسبة يوم الآباء وخاصة أغنية ”فينوس” لاسيما وأن شاعرها المبدع "عوض حسن أحمد" كان مدرساً بالمدرسة الصناعية الى جوار مدرستنا.
 

الذين يستمعون لنا كانوا يغفرون لنا طراوة أصواتنا ويعجبون بجراءتنا فى تقديم أغانٍ لفنان مثل أبوداؤود. فى تلك الأيام كانت الإذاعة تقدم برنامج ”ما يطلبه المستمعون” وكانت أغنية الفنان أحمد المصطفى “أهواك” تحتل المرتبة الأولى كل يوم جمعة وتشاركها أغنية الفنان الكاشف ”الحبيب وين” وأغنية الفنان عثمان حسين “الوكر المهجور” وأغنية أبوداؤود ”هل أنت معى”، وهكذا تشكل وجداننا الفني من ذلك النسيج الرائع من الإبداع الغنائي
 

أما أنا فلأننى انفتحت على الطبيعة منذ وقت مبكر، كانت جملة الأصوات التي التقطتها من تلك البيئة تختلط مع غناء أبوداؤود وتمتزج وتستقر فى ذاكرتي كطبقة شعورية لها رنين مستمر. تصور يا صاحبي أنه كانت لنا شجرة جوافة وشجرة حناء وشجرة ليمون، وكانت تنشر رائحةً وعبقاً مميزاً فى زمن الخريف، وحمل ذلك العبق معه إلى تلافيف الذاكرة صوت الفنان أبوداؤود وهو يغني رائعة شاعر مدينة الأبيض "محمد علي عبدالله الأمي" (أحلام الحب) فصرت عندما أشم تلك الرائحة منبعثة من أى مكان يأتينى صوت أبوداؤود.
 

زرعوك فى قلبي يامن كساني شجون

ورووك من دمي يا اللادن العرجون

هذه الأغنية أستدعيها من ذاكرتي عن طريق حاسة الشم، سبحان الله، لقد ظل أثر الفنان أبوداؤود فى وجداني باقياً يزداد رسوخاً مع مر الايام، ولهذا ظللت منشغلاً به، ولو جاء أبوداؤود فى العصر العباسي، عصر ازدهار الفنون العربية والأدب والإبداع الأصيل لتحققت له الريادة والسيادة على جميع مغنيي ذلك العصر، ولصيغت أوزان الأنغام العشر كما صنفها إسحق الموصلي على حنجرته التي يملك زمامها والتي يفعل بها ما يشاء، وما الغناء إلا حنجرة! يقول الفارابي فى مؤلفه العمدة ”الموسيقي الكبير”.
 

”فأما العيدان والطنابير والمعازف والرباب والمزامير وأصنافها فإنها تزيد، غير أن هذه أيضاً تنقص عن نغم الحلوق، وليس هاهنا ما هو أكمل من الحلوق، فإنها تجمع جل فصول الأصوات، والذي يحاكي الحلوق من الآلات ويساوقها أكثر من غيرها هو الرباب“.
 

ولهذا كان أبوداؤود يغنى بأقل شئ يمكن أن يخطر على بال، “بكبريتة” يحفظ بها زمنه وإيقاعه. أعطِ مصنعاً من الكبريت لأحد فناني هذه الأيام ليدندن به، هل يستطيع؟
 

لقد وضع العرب الأقدمون وملوك الطرب قاعدة لتلك النغمات العشر التي تضم جميع أسرار الصنعة، فقال أبو الفرج الأصفهانى فى كتابه ”الأغانى”.
 

من الأصوات التى تجمع النغمات العشر

توهمَّت بالخيفِ رسماً محيلا

لعزةَ تعرف منه الطلولا

تبدل بالحيِّ صوت الصدى

ونوح الحمامةِ تدعو هديلاً
 

الشعرِ لكُثَيَّرِ عَزةٍ والغناء لعبيد بن عبدالله بن طاهر ونسبه الى جاريته، فذكر أن الصنعة لبعض من كثرت دربته بالغناء وعظم علمه حتى جمع النغمات العشر فى هذا الصوت.
 

إلا تعلم يا صاحبي أن أبوداؤود قد جمع مثلها وزاد عليه بترجيعه، وتنغيمه وترعيده وتضعيفه في:-
 

عربدتْ بى هاجساتُ الشوقِ إذ طال النوَّى

وتوالتْ ذكرياتي عطرات بالهوى

كان لي في عالم الماضي غرامٌ وانطوى
 

أرأيت كيف ينتقل أبوداؤود بذلك النغم فى درجاته المتعددة وينتهي عند كلمة ”وانطوى“؟ 
 

يقول إبن سينا فى كتابه “الشفاء”:-

“وأفضل الإنتقال من أواسط النغم، وأفضل الإقامة التضعيف، وهو أن تكون إحدى النغمتين على النغمة والأخرى تكون على ضعفها أو نصفها. ومن الزيادات الفاضلة الترعيدات والتمزيجات والتركيبات والتضعيفات“.
 

هل لاحظت كيف يعطى أبوداؤود كل تلك الألوان لذلك اللحن الذي وضعه الفنان الساحر "برعى محمد دفع الله" لأغنية الشاعر  محمد على أحمد “هل أنت معى”، ونفس الشئ يتحرك به أبوداؤود فى مساحة خرافية من التلوين فى قصيدة عبد المنعم عبد الحى
 

يا نديماً عبَّ من كأْس الصَّبا

ومضَى يمشي الهُوَيْنا طرباً
 

ألا تلمح ذلك الشجن الذى يتحرك داخل حباله الصوتية والاهتزازات التى يحدثها بومضات متتابعة من اللسان صعوداً ونزولاً في التجويف الفمي، فتحدث ذلك التموج فى صوته الذي يشابه اهتزاز عمامة تنشف فى الهواء
 

قال ود الرضي يصف جملاً:-

ينصر وينطلق زَي المُصَابْ بى حُمىَّ

ويكفتْ فى الأَرِض ْكَفْتَ الصَّقُرْ للرَّمةْ

يتخفس برا الدراق سريع بي همّة

إيديهُ التقُولْ غَسَّال بنفَّضْ عِمةْ
 

ذلك القفص الصدري الضخم والذي يحبس فى داخله كمية من الهواء يتحكم فى تصريفها لتدق على حباله الصوتية محدثة تلك الإهتزازات المميزة لصوت أبوداؤود، الأمر الذي يمكنه من الإنتقال من طبقة نغمية أو “أوكتاف” إلى طبقة أعلى منها أو أخفض منها، بينما يبقى تركيب الطبقة وأنغامها ومسافاتها ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وهو ذات المذهب الذي وضعه إسحق الموصلي “التحرك الفني السليم بين المقامات” والذي يصفه إبن المنجم في رسالته عن الموسيقى بالخروج من المجرى إلى المجرى والانتقال فيه والدخول فيه من المواضع الممكنة التي يحسن ذلك فيها حتى لا ينكره السمع.
 

ولو اْن اْبوداؤود ظهر فى العصر العباسي لوجد فيه أصحاب صناعة الموسيقى والنغم ضالتهم، إذ أن صوته يتجاوز حدود الطبقة او الأوكتاف أو الديوان الواحد.

ففى كتاب الاْغانى ذكر أبو الفرج الاْصفهاني قائلا “أخبرني يحيى بن المنجم قال ذكر لي عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، عن إسحق بن عمر بن يزيع، قال كنت اْضرب على إبراهيم بن المهدي صوتاً ذكره فغناه على اْربع طبقات، على الطبقه التي كان العود عليها، وعلى ضعفها، وعلى إسجاحها وعلى إسجاح الإسجاح. والإسجاح هو الغناء في النغمات قليلة التردد أي الغليظة.
 

قال أبو أحمد قال عبيد الله وهذا شئ ماحُكِي لنا عن أحد غير إبراهيم، وقد تعاطاه بعض الحذاق بهذا الشأن، فوجده صعباً متعذراً لا يبلغ إلا بصوت قوي مائل إلى الرقة ولا يكاد ما اتسع مخرجه يبلغ ذلك، فإذا رق حتى يبلغ الإضعاف لم يقدر على الإسجاح فضلاً عن إسجاح الإسجاح، فإذا غلظ حتى يتمكن من هذين لم يقدر على الضعف، تأمل بربك يا صاحبي أبوداؤود وهو يغني رائعة الشاعر عبد المنعم عبد الحي:-
 

لوموه اللاهي

فى الغرام باللهِ

قولوا ليهو الحبْ

شَئ طبيعي إلاهي
 

هذه المقاطع الصغيرة ترى كيف يصعد بها أبوداؤود ويهبط فى ميزان الأنغام؟ ولو تأملت المقطع “فى الغرام بالله” أو المقاطع الأخرى مثل:-
 

الغرام مـا بخير

بين كبير وصـغير
 

لوجدت أنه يضع لكلمة “كبير” ثلاثة مستويات نغمية، ثم يبدأ فى الارتفاع
 

من زمان الحب

أمرو فينا يحير

يا جميل يا نضيرْ

خلّي هجرك غير

بكرة تلقى الحب

عمرو فينا قصير
 

وكلمة “قصير” تنزل فى مستويين نغميين منهية بذلك القفلة التي يحط عليها صوت أبوداؤود أثناء المسار النغمي.
 

لو سمع هذه إبراهيم بن المهدي لتتلمذ عليها بقية عمره، ولا أجد وصفاً لهذه أبلغ من وصف أبو الفرج الأصفهاني فى تحليل غناء إسحق بن إبراهيم الموصلي حيث يقول:-
 

”وكان حسن الطبع فى صياحه، حسن التلطف فى تنزيله من الصياح إلى الإسجاح على ترتيب بنغم ٍ يشاكله، حتى تعتدل وتتزن أعجاز الشعر فى القسمة بصدوره، وكذلك أصواته كلها، وأكثرها يبتدئ الصوت فيصيح فيه وذلك مذهبه فى جل غنائه، حتى كان كثير من المغنين يلقبونه بالملسوع لأنه يبدأ بالصياح فى أحسن نغمة فتح بها أحد فاه، ثم يرد نغمته فيرجحها ترجيحاً وينزلها تنزيلاً حتى يحطها من تلك الشدة إلى ما يوازيها من اللين، ثم يعود فيفعل مثل ذلك، فيخرج من شدة إلى لين ومن لين إلى شدة، وهذا أشد ما ياتى فى الغناء وأعز ما يعرف من الصنعة
 

فكيف تجد أبوداؤود وهو يغنى للشاعر الفذ عبيد عبد الرحمن:-
 

جَاهلْ وديعْ مَغروُرْ

فى أحلام صـباه ْ

نايم خَلي ومسـرورْ

ما عِرف الهوىْ

فى سُور وداخل سُور

فى روضة زهُـورْ

غناء وقصور فى قصُورْ

آية الجمـال مبصورْ

أخلاق الرضيعْ

فى هيَبْة المنصور
 

ألم تجد من الغناء بديعه وأجوده في كل هذا؟

 

أ.د. محمد عبد الله الريح

هاشم خوجلي

###########################

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page