top of page

السودان وفن الغناء

السودان وفن الغناء

بدأ اهتمامي بالفنون الموسيقية والغناء في عمر مبكر جدا، في بداية مراحل الدراسة في "مدرسة بري المحس الأولية"، حين كنت ألصق جانب رأسي على تخت الدراسة في الفصل، وأدق بيدي ما كنت أصنف وقتها كأجمل أنواع الإيقاع، وأردد بمصاحبته ما شاء لي حفظي من بعض الأغنيات، التي لامست أحاسيسي الفطرية، وتطور اهتمامي بعدها حين اختارني أستاذ الفنون في المرحلة اللاحقة لعضوية فرقة "مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطى"، فحملت صفارة الصفيح معتدا، مدعيا أني أعزف عليها ما طاب لي، متفاخرا أمام لداتي بتمثيل مدرستي.

كان يسيطر على ساحات الغناء حينها عماليق من أساطين أهل الفن والغناء السوداني، فقد طافت بسمعي أسماء مثل "إبراهيم الكاشف" و"عثمان حسين" وأحمد المصطفى" و"أبو داؤود" وكثير غيرهم من جيلهم، رغم أني حينها لم أكن أفرق بين ما أسمع من كل منهم، فكله عندي غناء جميل، وكله في قياسي مطرب شجي.
رغم أن العلوم الموسيقية لم تكن قد سادت وانتشرت بعد، إلا أنه لم يكن يجرؤ على ادعاء الفن إلا من يستطيع إثباب أهليته، بتقديم نفسه بصوت جميل متفرد، وغناء شجي يحكم أدنى سقفه ما سبقه وما تردد قبله من غناء قدمه من ذكرت ومن معهم، ولم يكن إثبات الأهلية في فن الموسيقى والغناء بالشيء السهل، رغم التسربات الصغيرة بين فينة وأخرى، مما لا يحسب على القاعدة الراسخة، ورغم ما فرضته تجاوزات بعض الفئات المسيطرة أحيانا، من أصوات تبنوها ورعوها لعدم وجود غيرها في فنائهم الخاص.

لم تكن هناك قيود على تجريب من يود أن يدخل هذا العالم السحري، فكل من أراد استطاع المحاولة، ولكن هذا لم يكن يعني أن باب عالم الغناء والموسيقى كان مفتوحا على مصراعيه لكل من هب أو دب، ليصير فنانا، موسيقيا أو مغنيا، ويحمل هذا اللقب ويدعي هذه الصفة، فقد كانت هناك لجان تمحص وتستجوب وتختبر، وكان هناك مستمعون ذواقة خبراء في فن الإستماع، وكان هناك مجيدون متربصون يعرفون الفرق بين الثمين والغث، وفوق هذا وذاك فكلهم أو لنقل جلهم، لم تثنهم عن قول الحق لومة لائم، ولم يرعووا عن اصدار حكم الرفض على من لا يجتاز بنجاح الخطوط الدنيا التي تحددت وفق ما اختط سابقوه، وما أجازه مجتمع يسمع بأذن سليمة صحيحة من القذى.

كان من السهل على كائن من كان أن يدعي الفن، وقد إدعاه الكثيرون، إلا أن كل من لم يكن صادقا قد سقط، واختفى ثم تلاشى، فاللجان قد أغلقت أبوابها أمام ادعاءاتهم، وصفوة المستمعين الذين تعودت آذانهم على ما رق من الموسيقى وشف من الفنون، قد رفضتهم ولم يحوزوا رضاها، أو تصدى لهم الخبراء في فن الإستماع فأثنوهم عن محاولات التخريب الباطلة. النتيجة أن لا مدع يستطيع مواصلة إدعائه أمام الفنون الجميلة التي سبقته، والأساس الراسخ الذي وطدته، ولا مزيف إلا وينكشف أمام جمال وروعة ما اختطه السابقون قبله. واستمر الحال فأفرخ جيل العماليق، وبصورة تلقائية سلسة، جيل عماليق تلاهم وتسلم منهم الراية وواصل المشوار فتتابع العطاء، وكان هذه المرة مصحوبا بعلوم الموسيقى، التي تسربت حيية في البدء، خلال أساتذة أفراد لم يألوا جهدا في نشرها حسب ما توفر لهم، مثل "جمعه جابر" و"عبد الفتاح الله جابو" وغيرهم ممن لم تطفو أسماؤهم على سطح الساحة لأسباب، فظلوا مغمورين تعرفهم قلة قليلة، رغم ما قدموا من دعم للفنون لن يضيع ما بقيت. أتى بعد ذلك الدور الذي لعبته الدروس المستقاة من المراكز التعليمية والمعاهد التي باتت تدرس الموسيقى، وارتادها كم هائل ضم كل مهتم بهذا العلم الوليد. ورويدا رويدا سادت الساحات الفنية علوم كانت جديدة حينها على السودان والسودانيين، وانتشرت وعمت، ولكن مع انتشارها، وعلى غرار كل جديد، تخلق جانبان من المتلقين، جانب مؤيد يناصر نشر علم الموسيقى وتعميمه، وجانب يعارض ويتخوف من انتشار هذا العلم وتغطيته على موروثنا التليد وحفيد حضاراتنا الأصيلة، إضافة إلى تسرب مفهوم غريب، تبناه جانب المؤيدين، يدعي تدني الفنون السودانية مقارنة بعلوم الموسيقى العالمية، وتسللت خلاله أفكار عن التحديث وإيصال موسيقانا للعالم، ورويدا تغيرت المقاييس وفقد المنتج القديم بهاءه وإحترامه لدى الأجيال الجديدة، بل وأخضعوه لمقاييس مستحدثة، وصار قياس الفنان هو فقط من يحاول إبراز هذا العلم، ولو بطريقة مصطنعة قبيحة، وحشره حشرا في كل ما يقدم، وإن طغى على الأصل وغطى على الأساس، فاضمحل مكان الموهبة وانزوى الإحساس الرقيق، وحل محلهما الترزق والتكسب الرخيص، فسادت الفوضى وماتت اللجان إذ اكتسحتها شركات الإنتاج والتوزيع، وانزوى الخبراء بعد أن قل الطلب على خبرتهم وزالت الحاجة لهم، إلى أن إنعدموا وتلاشوا، فمن ذا يطلب رأي خبير، وقد عرض عليه مبلغ دسم من شركة إنتاج شيطانية المنبت، جل همها أن تضمن توزيعا يعود عليها بالأضعاف مضاعفة، ومن ذا يسأل استشارة لجنة وقد عرضت عليه قناة فضائية، لا تعرف عن الفن أقل القليل، تبني كل مالديه من أعمال تافهة ركيكة مفككة، وإذاعتها وبثها ما طاب له، رغما عن فقدها أساسيات العمل الفني.

كانت النتيجة الطبيعية والمنطقية التي لا ينكرها إلا جاحد للحق مكابر، فكيف يتأتى الإبداع في محيط لا يقدر فيه إلا من يملك إمكانية نشر ما ينتج، ركيكا متهالكا أو هزيلا تافها، كيف يستطيع المبدع المرهف أن يجد من يقدره، والغث قد ملأ الساحة وطغى، فزكمت أنوف الإبداعات لا تجد هواء نقيا تتنفسه، وانقبضت صدور الفنون من تكسب كاد يزهق أنفاسها، ولم يكن لها خيار فانزوت حياء حين تراكمت فوقها تداعيات الإهمال وسؤ التقييم فاندفنت، والمبدع الحق ينأى بعمله أن يندرج في مصافات التدني، فحط حطام الفن فوق الإبداع قببا وبنى عليه من ركام الجمال أبراجا شامخة تعول وتموج بالمعوج من الموسيقى وتصخب وتجأر بالتافه من كلمات الأشعار، ومعظم العامة يسمع ما يجد مطروحا أمامه، وليس كل الناس يميز الغث، فتدنت الإمكانات السمعية، وانحطت المستويات الفنية، حتى تعودت الآذان على الغناء المتفلت واستساغت الموسيقى المصنوعة وحبذت المحاكاة واستحسنت التقليد، فما يطرح للمستمعين يحدد ما يسمعون، حتى صار استجلاب الغريب من فنون الأمم الأخرى قمة التفنن وصار محاكاة فنون غريبة عنا وعن تراثنا وتقليدنا قمة الرقي والتطور، وأما نسخ فنوننا وطمسها وتشويهها فهو خطوة تقربنا من العالمية المزعومة وتضع أقدامنا، رغم فننا العريق الراسخ في التاريخ، في درب الرقي والحداثة.

الحلول متاحة إن أمعنا النظر وصدقنا مع أنفسنا وأيقظنا وطنيتنا وسودانيتنا التي خبت وذبلت، وسوف أطرح في مقال لاحق، ما أرى من حلول كفيلة بإخراجنا من الهاوية التي ننطلق نحو قاعها دون اكتراث.

 

هاشم خوجلي

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page