top of page

الأكبر من أبوداؤود
هو قلبه الذي وسعنا كلنا

عثرت على هذا الموضوع المتفرد، الذي خطه البروف الدكتور ود الريح، عطر الله أيامه ولياليه بدوام الصحة والعافية، وجزاه عن الشعب السوداني كل الخير ونعم الجزاء. الموضوع عن الأستاذ الفنان المتفرد صاحب الحنجرة الأسطورية والأداء الفلكي، عبدالعزيز محمد داؤود، في موقع على الشبكة العنكبوتية، وقد بذلت على تقويم أخطاء الطباعة فيه جهدا عظيما، وهانذا أنشره مجددا، عسى من لم يقرأه يجد فيه بعضا مما وجدت، ومن قرأه يعيد التمتع بما فيه من مادة دسمة وأدب عظيم، وتقدير لا يبلغ أسافل أقدام عملاقنا العظيم، ولكن عساه يوفيه بعضا قليلا، من حقه علينا.

هاشم خوجلي

##################
أ.د. محمد عبد الله الريح
الأكبر من أبوداؤود هو قلبه الذي وسعنا كلنا
عبدالعزيز أبوداؤود
(3)
##################


نحن معشر المنشغلين بهموم الرصد والتدوين ننحني للدهشة الاولى، (نسردب) للثانية حتى إذا جاءت نقيض الأولى إتسعت حدقات العيون ونحن نصيح “ما معقول !!!”، هذا ”الما معقول” هو الذي ظل يحدد ملامح تلك الدهشة الأبدية وأنا أتأمل فن أبوداؤود كظاهرة طبيعية لا تتكرر، وكما قلت من قبل كانت فى بيتنا شجرة ليمون وشجرة جوافة وشجرة حناء. فى كل عام كان الخريف ينثر على أوراقها شوقه وحزنه، وما بين غصن وغصن كان الخنفس الكدندار ذو اللون المعدني الأخضر يتحرك وأنا أرقبه مبللاً بالندى فأستنشق رائحة وعبقاً إرتبط بصوت أبوداؤود وهو يغني

زرعوك فى قلبي يا مَنْ كساني شجونْ
ورووك من دمَىِّ يا اللادن العرجـونْ

فصرت عندما أشم تلك الرائحة تدق على أبواب ذاكرتي تلك الأغنية معلنة موسم الدخول فى أشواق عميقة

يا الباســم الهادي
نـورك سطع هادي
مـاذا اقـــول؟
فى سناك
بيكا الدلال غادي
شايقاني فيك بسمة
سمحة ومليحة لونْ
عاجباني فيك قامةْ
ساحراني فيك عيون

ومن قمة ذلك الوجد وتلك الأشواق يرتفع صوت أبوداؤود مؤكداً

هيهاتْ أسلو هواكْ
يا حبيبي اسلو هواك ْ
مهما أعتراني جنُونْ
أنا لى لقاك صادي
لو فى الخيال راضي

وشئ من تهدئة اللعب والإمساك بالمشاعر حتى لا تهرب من فضاء اللحن والنغم

خصمي هواك، يا وديع
والسؤال الأزلي (القفلة)
من يا ترى القاضي؟

كيف تستدعي حاسة الشم كل هذا؟ هذا هو “الما معقول” فى علاقتي بفن أبوداؤود. إن الفن الحقيقي هو الذي يجعلك تفسر العالم والطبيعة من خلاله، هو الذي يجعلك ترى الأشياء المتنافرة تجذب بعضها لتحدد معك، وأنت سابح فى محراب الدهشة وأنت تردد “ما معقول“. فإذا خطر بذهنك لحن أو نغم وانت تقف فى إنتظار “البص” فأعلم أن هناك خيطاً غير مرئي يجمع مكونات هذه اللحطة ببعضها.

ولكي أحكي ما سأحكيه اليوم إلى واقع آخر تذوب فيه الحقيقة المجردة داخل غلالات من الحلم الشفاف، ذلك الحلم الذى نقبله فى إطار قوى اللاوعي، حيث أن تلك المنطقة لها إعتباراتها الخاصة بها. إذ كيف تتداخل الأصوات والصور لتخلق واقعاً خارج نطاق المحسوسات المألوفة؟ وهذا بالضبط ما حدث لى ذات يوم من ايام شهر أغسطس عام 1977م وانا فى بلاد طيرها “عجمي”.
فى تلك الأيام كنت ملتحقاً بالدراسات العليا بجامعة تورنتو الكندية، وكان علينا إكمال ذلك العمل الجليل الذي قام به البروفيسور بيترسون والذي درس أحد أكبر الوعول فى أمريكا الشمالية والمسمى بالأيل أو العلند أو الموس بالإنجليزية، والذى أشير إليه هنا بالوعل، وهو ينتشر فى ولاية ألاسكا الأمريكية وأوروبا القطبية وسيبيريا.
ولاية ألاسكا، أكبر ولاية أمريكية حتى أنك إذا وضعتها داخل امريكا لامتدت من فلوريدا إلى كاليفورنيا. كانت فى السابق جزءاً من أملاك روسيا القيصرية إلا أن القيصر باعها عام 1867م بسبعة ملايين دولار “دولارات معدودات”، واليوم فإن دخل ألاسكا من البترول والثروات الطبيعية فى اليوم الواحد يفوق المبلغ الذى بيعت به. إنضمت لإتحاد الولايات المتحدة الأمريكية فى الثالث من يناير 1959م.
الرحلة من مطار تورنتو إلى مطار أنكوردج عاصمة ولاية ألاسكا تمر عبر البرارى الكندية فى ولايات منيتوبا وساسكتشوان وألبرتا وكولومبيا البريطانية حيث تحط رحالك فى مطار فانكوفر ثم تمتطى صهوة طائرة أخرى إلى أنكوردج، تلك التي بتنا فيها ليلة الثاني عشر من أغسطس.

وصولنا إلى ألاسكا كان فى عز الصيف، درجة الحرارة كانت لا تزيد على درجتين مئويتين، وبينما كنت ”أكتكت” من البرد كان أهلها من الإسكيمو يتصببون عرقاً (بس العرق دا لقوه وين ما عارف) وأنا شخص بنفع معاي أى شئ إلا البرد، وقد كنت قد كتبت للأخ حسن أبشر الطيب، عندما كان مستشاراً ثقافياً بواشنطون، أشكو له حالي من برد تورنتو التي تقع على خط أونتاريو الثلجى، ونشرت تلك الرسالة بمجلة “أضواء” التى كان يصدرها مكتبه، وعندما جاء المرحوم الأستاذ عثمان حسن أحمد وتسلم مهام المستشارية واصل إصدارها وكانت ترسل لنا، وكان مما ذكرته فى تلك الرسالة أن قلت له أنني طيلة ذلك الوقت كنت أظن أن شنبي من الصوف الخالص وأنه سيقيني من البرد، فاكتشفت انه 65% صوف و35% بولستر، ومبالغة فى تصوير البرد كنت أصف ذلك بأن كل شئ يتجمد حتى الكلام، كان يتجمد ويسقط كقطع الثلج، وكنا نجمع تلك القطع لنسخنها على “الطوة” لنعرف عماذا كنا نتحدث.

والآن فإن الأقدار تقذف بي إلى ألاسكا حيث تصل درجة الحرارة أحياناً فى الشتاء الى 62 درجة تحت الصفر ”الصفر تشوفو فوووق!!” حتى أن بعض العلماء كانوا يقترحون أن نجعل من المنطقة القطبية ثلاجة لعموم البشر تحفظ فيها كميات من اللحوم والخضروات والبقوليات حتى إذا داهمت البشرية مجاعة مفاجئة لجأت لتلك الثلاجة الطبيعية.

إن ألاسكا تقع فى نهاية الدنيا فى مقابل بداية الدنيا من الناحية الأخرى، فهناك مدينة ديوميد الكبرى وتقع فى روسيا وديوميد الصغرى وتقع فى أمريكا، ويقع بينهما خط التوقيت الدولى، ففي ديوميد الصغرى فى أمريكا يكون الوقت مثلاً الساعة الواحدة ظهراً من يوم السبت بينما تكون فى ديوميد الكبرى فى روسيا الساعة الواحدة ظهراً يوم الاحد، تصور أن العبور من يوم السبت الى يوم الأحد لا يستغرق إلا دقيقة وكذلك العبور من الأحد الى السبت.
الأمور تقع على حدود فاصلة فهنا يقف المستقبل وجهاً لوجه مع الماضي بينما أنا أقف بينهما ممثلاً للحاضر.
الطريق من مدينة أنكوردج الى المحمية أو الحظيرة الطبيعية حيث توجد تلك الوعول يبدأ من نقطة ويتلاشى فى الأفق يقف على نهايته جبل ماكنلي، أعلى قمة فى أمريكا الشمالية (أكثر من 20 ألف قدم)، هنا على القمة تتلاقح الرياح والثلوج وتنجب سهولاً بيضاء لا نهائية.
وأنا هنا القادم من أرض قمرها أسخن من شمس ألاسكا أحمل أمتعتي على ظهري وبها أجهزة لاستقبال الإشارات من تلك الوعول، وكان الذين سبقونا قد وضعوها على أعناقها وما علينا إلا الاستماع لتلك النبضات ورصدها وتدوينها وجمع عينات من ”البعر” والمخلفات الحيوانية فى أكياس بلاستيكية وذلك لأخذها للمعمل لقياس المحتوى المائي والخيارات الغذائية..
وفوق ذلك أجتر من ذاكرتي من وقت لآخر ذلك المخزون الهائل من أغاني أبوداؤود.. فلا شئ ينعش النفس ويبعث الدفء غيرها.

هناك شئ غريب يحدث لي أحياناً وأظنه يحدث لكم. ألا يصادف أن تصحى من نومك وبقايا لحن أو أغنية تتردد على لسانك اليوم كله؟ أهو نوع من النشاط الإنصرافي Displacement Activity نلجأ إليه بطريقة لا إرادية لتخفيف ضغط نفسي؟ ربما.
وحينما ترامت الجبال وراء الخضرة الطاغية والمستنقع نصف المتجمد، أيقنت أننا وصلنا فمثل هذه المستنقعات تصلح مرتعاً للوعول وظباء الكاريبو بقرونها المتشعبة، بينما إنخفضت السحب الركامية كالعهن المنفوش فجعلت السماء وردة كالدهان بفعل شمس ألاسكا فى هذا الوقت من السنة.
زهور الأقحوان والداليا تنمو على ذلك البساط الأخضر، زهرة تدثرت ببقايا ثلج، فى الصباح نفضته عن بتلاتها، شهقت فى الظهيرة، ثم ماتت، رحلة قصيرة جداً لكنها حافلة بالمغامرة والجسارة. من رحم تلك الأزهار فى يوم ما يولد فصل الربيع، أم أن الربيع فى هذه الأرجاء هو خاطر يمر ببال الأشجار؟ تلك التي تطرح أوراقها وتنتظر الشتاء وهى عارية؟ ولكن عندما ذبلت تلك الزهرة وهى تبدأ رحلة الإختفاء، كان هناك صوت أبوداؤود يخرج من مخبئه يواسيني ويعزي آلاف الأزهار فى فراشها

أينعت ْفى الروضِ زهرةْ
واكتستْ سحراً ونضرةْ
وبدت تزهُو جمالاً
فاحَ منهُ الطيبُ نشرا
فهى للنفسِ أمانٌ
وهى للإلهامِ سحرا

أينعتْ لكنْ أراها
ذبلتْ فى ناظريا
أينعَتْ لكنْ أراها
تندبُ القطر النديا
أينعتْ لكن أراها
ساقَها الموتُ فتيا
ذبلت فى الروضِ زهْرَةْ

كل شئ هنا يومض لحظة ثم ينطفئ، ويخيم ظلام يمتد إلى شهور فى زمن الشتاء، وبالقرب من حيث أقف وعلى جذع شجرة أسلمت الروح قبل أعوام كان هنالك الصقر الأصلع يحمل وقاحة الدنيا كلها فى عينيه، كان يحدجنى بنظرات (عقدتني)، صقر على شاكلته فى بلادي يهرب مني ولا يقف ليتمعن فى وجهي، وقد ظنت لبرهة أنه سيحط ليأكل من رأسي. أهل بلادي أيها الصقر الأصلع يسلون أمان قلب أي طائر ويزرعون مكانه رعباً لا نهائياً، تخافهم جميع الحيوانات وتخشى بأسهم حتى الصقور أمثالك، ولكني أراك وقد إنفردت بي فى بلاد طيرها “عجمي”، ونداء خفى يدفعني أن أصرخ فى وجهه بأن الطيور على أشكالها تقع، حتى أغيظك.
هذا الطائر هو جزء من إيكولوجية الوعل وظباء الكاريبو والدب الأسود. يعيشون على هذه الحافة القطبية قبل مجئ الإنسان. مائة وسبعون ألفاً من هذه الظباء تهاجر فى بداية شهر أبريل قاطعة مسافة 360 ميلاً نحو المحمية القطبية وتتبعها الذئاب والصقور والدببة، ألم يتسلل الى أذنك صوت أبوداؤود وهو يغني

غزال البر يا راحلْ
حرام من بَعدك الساحلْ
أنا المِن حالي ما سائلْ
أنا المِنِّي الفؤاد مُضنى
أنا المٍنّي الدمِع سايل
أعاني عذابِي الهائل
أخذ منّي الفؤاد مأخذّ
ونالْ منّي الهوى نائلْ
غزال البر يا راحلْ

وهكذا ترحل تلك الظباء والوعول الى حيث الدفء والعشب ”وطبع الريم أصلو نافر”.

أمامى يستريح هذا الوعل على مملكة الماء. نصفه يغوص داخل المستنقع والنصف الآخر يرقب ما يحدث على السطح، وهو يقضم الأعشاب المائية، فهذا هو الزمن الذي يُنمِّي فيه طبقاتٍ من الشحم يكتنزها لموسم الشتاء، وهذا زمن الإشتهاء، فيرسل إشارات العشق خواراً فى الهواء فتلتقطها الإناث وهن يخفين الرغبة تحت التهام مستمر للأعشاب.
خواره الفطري ينبه مجموعة من الذكور فترفع رؤوسها بينما تتحرك أنثى لفيفة كانت تقضم الأوراق تحت السفح، وكأنها تبحث عن الذى أرسل شهقة العشق الأولى فى هذه الأرجاء.
إناث الوعل تمر عليهم فترة الطمث الشهرى كل 22 يوماً، والتوقيت يسبق كل شئ، فالأجنة تقضى فترة الشتاء داخل الأرحام في فترة حمل قد تتجاوز الثمانية أشهر، ولا تولد إلا في الربيع حيث الدفء والعشب متوفر، والذئاب أقل جوعاً.
الصراع الذى ينشب بين الذكور حين تشتبك بقرونها الشجرية الضخمة يضمن للإناث تلقيحاً من الأقوى، الذي يحفظ إستمرار أقوى الصفات الوراثية، وإنكسار الأنوثة تحت وطئة هي التى تجعل إستمرارالنوع وعدم إنقراضه ممكناً، فى وجه الصيادين والبندقجية وتجار الجلود والفراء. 
الإحصائيات تقول أن السويد وحدها قد قتلت عام 1970م من تلك الوعول 150الفاً.

فى هذا الوقت أحسست برغبة فى مشاركة أبوداؤود الغناء

أوتذكرينَ صَغِيرتي
أو رُبَّما لا تذكرينْ
الخمسة الأعوامُ قد
مرّتْ وما زال الحنينْ
الشوقُ والأحلامُ مازالتْ
تؤرقُ والسنينْ
هل كان حباً ياتُرَىَ
أم كان وهم الواهمينْ
هل كان حباً لاهياً
أم كان شيئاً فى اليقينْ
هل كنت تعنينَ
الذي ما تدَّعين
مازلتُ أذكر خصلة
عربيدةً فوق الجبين
مازلتُ أقرأُ فى السطورِ
فأستبينُ البعض
أو لا أستبينْ
والعطرُ والأنسامُ يغمرني
بفيضِ الياسمينْ
منديلك المنقوشُ جانبه
أو تذكــرينْ
ما كان قَصْدِي أنْ أَبُوحَ
فربما لا تذكرين

رائعة الشاعر الرقيق عوض حسن أحمد، وعبقرية برعي محمد دفع الله، جسدها أبوداؤود فى بيت واحد

ما زلت أذكر خصلة
عربيدةً فوق الجبين

وأنا ما زلت أذكر كيف كان ذلك الوعل يجري فتفر المسافات من امامه، ليلحق بأنثى تحرك أذنيها يميناً وشمالاً كخصلة من الشعر ”المساير” كصيحة من صيحات الخمسينات، وهى فى فرارها تتركني أنا وصديقي أبوداؤود نقف على حافة العتاب

جميلْ وصف جمالكْ
يحيِّر الشوادي
غزالْ نفرتَ مِنِّي
وعَمَلْتَ قلبي وادي
تجِدْنِي لو أقبِّل
خدودك النوادي
أذوب من اللطافةْ
ويذُوبْ معاي فؤادي
يا ناسْ محبوبي
ساكت قصد عنادي

فى هذه الأثناء تحركت السحب الركامية وبقية من نهار إختفت فى ظلال جبال ماكنلي الشاهقة، وفى ذلك الفضاء الرمادي تختفي ملامح الوجوه، ولكن الوعول التي إنتقلت إلى خارج المستنقع رسمت أجسادها بوضوح وهى تشتبك فى عراك، يخيل إليك أنه يحتاج إلى قرار من الأمم المتحدة لفض الاشتباك، وكانت تتحرك يميناً وشمالاً فتعمل الأعشاب والأوراق حسابها ولا أحد يتدخل، وفجأة يطل دب أسود يقف على رجليه جاذباً جسده الضخم إلى فوق وكأنه كنج كونج الذي كنا نراه فى سينما كردفان، ويتوقف كل شئ، ويفض الإشتباك وكأن صوتاً خفياً سرى وسط المقاتلين، وهبط سكون عميق وغطى كل المكان، كان يفصلنا عن الدب مستنقع وطريق ينشطر نحو السفح، وحارس يحمل بندقية يطلق منها طلقات صوتية فى الهواء، لتخيف ذلك الدب إذا دعا الحال، ووقف الزملاء كل فى مكانه يدونون.
الوقت هنا يتغير سريعاً وجميع الكائنات مشغولة بقضية البقاء وحفظ النوع، والأقوى من تلك الظروف الصعبة هو النوع، ولهذا فإن بيئة ألاسكا من أغنى البيئات الطبيعية، فى نهاية الربيع تسبح أسماك السالمون عكس التيار، متحدية النهر، لتضع بيضها، ثم بعد ذلك تموت، فقد إنتهت مهمتها، طيور البفن تعشعش على حواف الجبال ثم تندفع ملقية بنفسها فى البحر لتحصل على الأسماك، وهناك أيضاً شياه الدال والتي تعيش على الجبال متسلقة الصخور ببراعة تحسد عليها.
وهناك الذئب الرمادي الذى كاد أن ينقرض فى جميع الولايات ما عدا ولاية منيسوتا وألاسكا وهناك 8000 ذئب تتبع قطعان الكاريبو والوعل ولكنها تظفر فقط بالصغير أو العجوز أو المعاق، وبذلك تحافظ على النوع خالياً من المورثات الضعيفة.
يتحرك الوعل بجسمه الضخم الذي يتراوح طوله من الرأس الى الذيل بين مترين ونصف إلى ثلاثة أمتار ووزن يتجاوز ال 800 كليو جرام ويحمل على رأسه تلك القرون المخملية، المغطاة بشعر قصير كالقطيفة، التي يصل طولها الى مترين، عندما تسقط تنمو مكانها قرون جديدة أكبر حجماً واشد قوة. ومن وسط تلك السحب الركامية، ومن فجوة بين طيات السحاب، يغمر المكان ضوء مفاجئ من شمس أغسطس، تلك التي ظلت ملازمة لنا، وكأن المغيب لا ياتي. هل إستمعت إلى أبوداؤود وهو يغني “فلق الصباح” رائعة ذلك المبدع الفذ خليل فرح ”فلق الصباح” كانت تشكل لنا معضلة كان يحمل همومها الفنان الشاعر أحمد الفرجوني، فهو أول من نبه إليها، الفرجوني بحسه المرهف كان يتأمل ذلك الشعر الإنسيابي

فلق الصباح قول لي
أهو نورك لاح خلَّي
ياخفيف الروحْ
هُوَّ هذا نداكْ
أم ندى الأزهار

من جنان رضوان أصلكْ
لذا كل ربيع فصلك
أتنفس فوح
تتنفس ناسْ
ورياض وبحارْ

بالنسبة للفرجوني، فإن الطريقة التي تُغنَّى بها هذه الأغنية لا تتماشى مع كلماتها الرقيقة المستعطفة المتأملة المتسائلة

إنت روضة وليك زهرةْ
ولا كوكب وليك بهـرةْ

الطريقة التي انطلق معشر المغنين يقدمون بها أغنية فلق الصباح جردت الأغنية من محتواها النغمي الرقيق ووضعت مكانه مارشاً عسكرياً، ولهذا كانت محاولة الفنان الفرجوني الناجحة في “تطرية وتليين ومزينة” تلك الأغنية، حتى جاءتنا طرية تتثنى مصورة لوجدان الخليل، والذي قصد أن يتسلل إلى وعينا السياسي من خلال وجداننا العاطفى، الوحيد الذى كان قد فطن إلى هذه الحقيقة هو أبوداؤود بفطرته الفنية السليمة، دون أن يخوض فى تنظير لها، يرق صوت أبوداؤود حتى يكاد يلامس رقة الأطفال وهو يغني

فى لهيبك بشوف ساحل
كالفراشة بجيك راحلْ
يا لطيف الطيف
قول لي أعمل كيفْ
مع اللعب بالنار

إنتي روضة وليك زهرةْ
ولا كوكب وليك بهرةْ
ضمّخوك للجبينْ
زعفران وعبيرْ
إنت نار فى بهارْ

ما عرفنا عدوك ذاهل
ولا لسه غلام جاهلْ
متهللْ طيفْ
الشتاء عندك صيف
اللعب بالنار

صبغ الخــدين حمرةْ
بعد ساعة بشوف صفرة
الإصفرار ده كتير
أخجلوك يا أمير
ولا نمت نهار

فلق الصباح نوَّرْ
لنحور الغيد صوَّرْ
يا صباح النورْ
علي العيون الحورْ
والخديد الحارْ

ثم يقف بنا أبوداؤود على مربط الفرس وهو يقودنا

عزة قومي كفاك نومكْ
وكفانا دلال يومكْ
إنتي يا الكبرتوك
البنات فاتوك
فى القطار الطارْ

والتفت وأجد زملائي، طلاب الدراسات العليا، وقد فاتوني راجعين إلى ذلك الكوخ الخشبى الذي كنا نقيم فيه تحت ضيافة سلطات المحمية الطبيعية وصوت أبوداؤود يتردد فى أذني وهو يغنى من كلمات ديمتري البازار

بتنّي في الترتيلْ
ما عرفنا ليهو مثيل
يا ناس لي حبيّبْ
“تصغير حبيب“
أنا فى غرامُو كتيلْ

يا صاحبي، هذا حديث لا ينتهي، رحم الله أبوداؤود عبد العزيز بن محمد أشهر مغنيي الدولة الأموية والعباسية ودولة الأندلس والفاطميين والتركية والمهدية والإستقلال وعصر الانترنت.

الأكبر من أبو داؤود هو قلبه. ألم يسعنا كلنا؟

 


أ.د. محمد عبد الله الريح
هاشم خوجلي

 

###########################

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page