top of page

الثقافة المكتسبة

الثقافة المكتسبة

خضع هذا الموضوع لبعض التعديل بعد النشر...

###

هذا مقال عن الثقافة المكتسبة وتلقي العلم الأكاديمي، خططته اليوم خصيصا لأفتتح به مساهماتي في منتدى "فكر وأقلام"، علني أبدأ وجودي معكم بما يفيد...

###

 

أفضل ما أصف به الثقافة في السودان أنه مرض حميد، ولكنه للأسف غير معد، لا ينتقل إلا ببطء ولا ينتشر إلا بتكاسل وعلى استحياء، ثم هو يتطلب تعاملا شخصيا يتفاوت من مريض لآخر.

 

تبقى الثقافة محدودة الإنتشار وتنغلق على نفسها في قوالب معينة، مثل التخصصات، أو البيانات الشخصية للفرد، لا يتشارك الناس إلا في بعضها، وتظل في مجملها كبصمة تتخذ طابع الأنا بعدم حيادية.

 

من أهم ما دمر مفهوم الثقافة لدينا ربطها بالتعلم والتحصيل الأكاديمي، فقد كان أهلنا القديمون غير متعلمين في غالبهم، ولكنهم كانوا يمتازون بثقافات عالية راقية وأفق معرفي واسع ومرتفع لدى غالبيتهم، وكانت صفاتهم تبز ما يسبغه أهلونا المحدثون على أنفسهم.

 

وأذكر، على سبيل المثال، جارنا في عهد الطفولة، "العم أوشي"، رجلا بسيطا لم يتلق إلا أبجديات القراءة والكتابة، ولم يتقن غير حرفة الزراعة من بذر وري وحرث، ولكنه كان حين تغيب الشمس ويحين وقت السمر والجلوس أمام باب الدار مع الجيران، يتوسط المجلس ويطوي ساقيه متربعا فوق "البرش" المهترئ ويحكي لأبي وبقية جمهوره من الجيران، الفكي الخِدِر والشيخ عبدُاللهِ، كيف كان "الخواجات" أغبياء خلال تحركاتهم إبان الحرب، وكيف أن "التليان" كانوا لا يعرفون التكتيكات الصحيحة بما يخدم أهدافهم العسكرية. كان يحكي ويحلل ويشرح تحركات الحرب والغزوات كأفضل ما يكون الخبير العسكري المتمرس، وأذكر أنه كان يتحول بالحديث أحيانا إلى حضارات الرومان القدامى وآثارهم التي خلفوها والبنايات العظام التي تركوها، وحجم مبانيهم التي تفوق في ارتفاعها مئذنة الجامع، وما أبعد هذا عن ذاك، وقد يقوده الحماس للحديث عن "فدياس" وتماثيله التي أبدعها بآلة يدوية صغيرة هي جدة الأولى "للإزميل" الذي نعرفه اليوم، أو عن مدينة "لانتيس" تلك الحضارة الغارقة منذ آلاف السنين قبالة سواحل سواكن، والتي مازالت تحرسها جيوش القطط التي تشتهر بها المدينة، وقد أوكلها بحراستها النبي سليمان، بعد أن صغر أحجام حراسها ليكونوا قادرين على التحرك في أزقتها الضيقة، ويعلم الناس مدى قدراتها السحرية الفائقة التي تمتاز بها. وكنا نتحلق حوله نستمع في تشوق لدرس التاريخ الأسطوري الوحيد الذي يستحوذ على انتباهنا، عكس دروس التاريخ المدرسية المملة الرتيبة التي يستولي علينا خلالها النعاس.

 

ثم كان هناك في فترة لاحقة، "عم مصطفى" وهو أنصاري بسيط يعمل في سيارة التاكسي المملوكة له، وهي سيارة قديمة متهالكة أكل الدهر عليها ولم يجد ما يشرب، كان "عم مصطفى"، وبمجرد انعقاد مجلس الصفوة من الجيران المعاشيين تحت "النيمة" أمام الدكان بركن منزله، ينتقل فجأة من شخصية الرجل العجوز المتهالك، الذي يقود سيارة مهترئة كالحة، إلى محلل سياسي خبير بأمور الإقتصاد والإجتماع والتاريخ، ويحكي كيف أن الأنصار ضيعوا فرص الفوز على الإنجليز في حروبات المهدية لأن استراتيجياتهم لم تكن صحيحة، ولو كانوا غيروا من مفهومهم للشخصية الإنجليزية لهزموهم شر هزيمة وقطعوا دابرهم...

 

في مفهومي أن ذينك الرجلين كانا مثقفين لأعلى حدود التثقف رغم أن كليهما لم يحز إلا النذر اليسير من تعلم القراءة والكتابة، وقد فصلت فترتي وجودهما سنوات طويلة، مما يعني أن الثقافة ليست مربوطة بالتعلم الأكاديمي، بل هي التي تغذي المعرفة والدراسة وتسهل استيعاب العلم الأكاديمي، وأنها شيء مكتسب قائم بذاته، وكدليل وتأكيد على ذلك فهذا هو متعلم اليوم يتبجح بحمل أعلى الدرجات العلمية وأرفعها، ولكنك تخرسه وتلقمه حجرا إن طلبت منه الحديث عن موضوع يخرج عن دائرة تخصصه أو يبعد عن مجال دراسته ولو القليل.

 

حاولت في هذا المقال تبيان ماهية الثقافة واستقلاليتها عن تلقي العلوم الأكاديمية، إذ تنبني الثقافة على ممارسات وتجارب حياتية وتراكمات معرفية، وهي تتفاعل في توافق وتناغم مع العلم الأكاديمي الذي يعتمد على التلقي والحفظ...

 

لكم التحية والتقدير...

...هاشم خوجلي...

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page