top of page

 كلمات في حق الدكتور
عثمان مصطفى

هذه كلمات أبت السكوت في حق الدكتور الفنان المتفرد، إبن القوز وبري، البروف "عثمان مصطفى".
ورغم ادعائي العذر في التحرك متأخراً، كما هي عادتنا نحن أهل (الله لا جاب يوم شكرك)، فإننا لا نذكر عظماءنا إلا بعد فقدهم، فنتبارى في ذكر مناقبهم، ونشكر فضلهم بما كان أجدى أن يكون تكريماً لهم وتخليداً وهم بيننا يعيشون فرحتنا بهم وتقديرنا لهم.


الفنان المبدع الدكتور عثمان مصطفي

"عثمان مصطفى" يعني لي شخصياً الكثير جداً. ولكني بداية أتساءل؛ لماذا تعودنا أن لا نُكرم مبدعينا في حياتهم، ولماذا مثلنا القائل (الله لا جاب يوم شكرك)؟ إذ أن الدكتور "عثمان مصطفى" قد قدم الكثير وأنجز الكثير خلال عمره القصير الحافل، مما لم يقتصر على الغناء فقط، إذ أنه كان من القلائل الذين تميزوا أكاديمياً مع تميزه المعروف فنياً، ويقاسمه ذلك التجاهل أفذاذٌ تخطاهم الذكر والتكريم مثل المرحومين "جمعه جابر" و"عبدالله إبراهيم (أميغو)" وغيرهم ممن ليس المجال هنا لذكرهم، ورغم أني قد قابلت الإثنين وخالطهما، رغم الفارق العمري، إلا أني قد عاصرت "عثمان مصطفى" في بداية حياته الفنية التي تصادف توافقها مع بداية حياتي آنذاك، وذلك حين كان يأتي لحي (بري المحس)، منزل صديقي وفردة شُلتي "الطيب عبدالرحمن"، مشاركا أهله وأهلي المحس أفراحهم، وكنت قد تعلمت لتوي العزف على آلة (الأكورديون)، فيشجعني ويغني معي بصوته الشجي المتفرد على موسيقاي وعزفي، مما ساهم في دفعي على هذا الطريق الوعر، وبادر حين أدرك أني ثمرة قد حان قطافها، فدبر لي موعدا مع لجنة إجازة الموسيقيين حينها، فنلت شرف الانتماء لأعلى التنظيمات الموسيقية بالسودان وقتها، تحت جناحه. لذلك بادرت بالقول أنه يعني لي شخصياً الكثير.

في يوم الجمعة 6نوفمبر2020م انتقل "عثمان مصطفى" للرفيق الأعلى تصحبه دعوات محبيه ومعجبيه.
وهاكم بعض ما كتب عنه الأستاذ "معتصم طه" بتصرف، وقد صادفني الموضوع في أحدى وسائل التواصل المنتشرة، وبتصرف تعني خلطَ بعض ما وجدت ببعض ما عايشت، مع الحفاظ ما أمكن على الحبكة والروي.

رحيل المبدعين يخلق أخدوداً من الحزن يصعب ردمه وكذلك عدم تصديقه ولكن تبقي جوهرة الحقائق. (مقولة صلاح احمد إبراهيم).

تقول بعضٌ من سيرته أنه من مواليد عام 1946م بالرميلة بالخرطوم بالسودان، وسط أسرة محسية متصوفة على الطريقة القادرية، ووالده "مصطفى سليمان الإمام"، كان سياسياً ينتمي إلى الحزب الوطني الاتحادي حينها بالسودان. و"عثمان" له من الذرية ولدٌ وبنت، "مازن وميسون".

درس بخلوة (الفكي موسى) بالرميلة وبمسجد الشيخ (دفع الله الغرقان)، قبل أن يبدأ تعليمه النظامي في مدرسة عبد المنعم الابتدائية بالحلة الجديدة بالخرطوم ثم في معهد حسين الحمامي لتدريس اللغات وانتقل بعد ذلك إلى مدرسة الخرطوم القديمة. وفي عام 1969م التحق بمعهد الموسيقى والمسرح السوداني (كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا حاليا)، وتخرج فيه بدرجة البكالوريوس في الموسيقى عام 1974م، وفي عام 1976م سافر إلى إيطاليا في بعثة دراسية للتدريب على الغناء بمعهد الموسيقى (ليشينيو ريفيشي «onservatorio Licinio Refice») بمدينة (فروزينوني) الإيطالية لمدة عامين. وابتُعث في عام 1979م إلى القاهرة بمصر لدراسة الموسيقى الغنائية بمعهد القاهرة الموسيقي ضمن برنامج للدراسات الموسيقية فوق الجامعية. ثم سافر إلى مصر مجددا لمواصلة تعليمه فوق الجامعي حيث حصل على درجة ماجستير عام 2004 م ثم نال درجة الدكتوراة في عام 2007م.

أما عن مسيرته الفنية فقد أجيز صوت "عثمان مصطفى" في لجنة الأصوات بالإذاعة السودانية عام 1965م، وكانت أغنية (والله مشتاقين) أول عمل سجله في الإذاعة، وهي من كلمات الشاعر "إسماعيل حسن"، الذي كان قد صاغها في الأصل للمطرب "محمد وردي"، والذي قام بوضع لحنها قبل أن يتنازل عنها للمطرب الصاعد "عثمان مصطفى". وتوالت بعد ذلك أعمال "عثمان مصطفى" الغنائية الخاصة به حتى فاقت الخمسين أغنية مسجلة لشعراء وملحنين مختلفين، منها أغنية (راح الميعاد) وهي من ألحان "عربي الصلحي"، وأغنيات (فيها إيه لو جيتنا فايت)، من تلحين "عبد اللطيف خضر"، و(ماضي الذكريات) من كلمات الشاعر "الجيلي محمد صالح" وألحان الموسيقار "موسى محمد إبراهيم"، و(ما بتنشتل الزهرة في الأرض اليباب)، و(تعال يا قلبي سيبو)، و(مابعاتبك ما بلومك) وغيرها.
ثم تدرج "عثمان مصطفى" في تصنيف المطربين حتى وصل إلى درجة (رائد) وهي أعلى درجة تُمنح للمطربين بالإذاعة السودانية وقتها.

أيضاً ل"عثمان مصطفى" بعض الأعمال الغنائية المسجلة في (هيئة الإذاعة البريطانية) في لندن ، و(إذاعة وادي النيل - ركن السودان سابقاً) بالقاهرة. كما قدم برنامجاً أسبوعياً في ثمانينات القرن الماضي بإذاعة ركن السودان باسم (إيقاع ونغم) وكان برنامجاً تحليلياً للغناء السوداني استمر لمدة ثلاثة أعوام.

ويعد أوبريت أو ملحمة (قصة ثورة) التي شارك في تقديمها على خشبة (المسرح القومي) بأم درمان عام 1968م، بقيادة المطرب الموسيقار "محمد الأمين" ومشاركة كل من "أم بلينا السنوسي وخليل إسماعيل وبهاء الدين عبد الرحمن" من أهم الأعمال الفنية التي ساعدت كثيراً في توسيع نطاق شهرته في السودان.

أما من ناحية نشاطه المهني والنقابي، فقد كانت أول وظيفة تبوأها بوزارة الثقافة والإعلام عام 1969م كعازف آلات موسيقية. يقول في إحدى مقابلاته الصحفية:- (كنت أتقاضى مرتباً كبيراً قدره 20 جنيهاً، وكان حينها يغطي كل منصرفات المنزل، ومصروفاتي الشخصية). وبمجرد تخرجه في (معهد الموسيقى والمسرح) تم تعيينه مدرساً معيداً بقسم الغناء في المعهد نفسه ليشغل فيه أيضاً فيما بعد منصب (رئيس شعبة الغناء والموسيقى)، وقد تحول المعهد لاحقاً إلى (كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا) والتي اصبح "عثمان مصطفى" عضواً بمجلس إدارتها لسنوات عديدة.

شارك في النشاط النقابي بالسودان حيث عمل أميناً عاماً (لاتحاد الفنانين السودانيين) في ثمانينات القرن الماضي وانضم إلى لجنة الألحان والأصوات بالإذاعة السودانية ليصبح عضواً فيها حتى منتصف التسعينات، وشغل أيضاً منصب رئيس (لجنة المصنفات الأدبية والفنية) بالإذاعة الإتحادية السودانية لمدة سبع سنوات. وفي منتصف التسعينات تم تعيينه عضواً لأول مجلس إدارة (للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون) ثم عضواً ب(لجنة الدستور القومية) ممثلاً لفئة الفنانين بالسودان. ثم شغل منصب عضو اللجنة الموسيقية التابعة للجنة اليونسكو بالخرطوم، واستاذاً بدرجة (بروفسور مساعد) بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وكان أمين عام جمعية الصداقة السودانية الأثيوبية بمجلس الصداقة الشعبية، وتشرفت بعضويته كل من مجلس الأمناء (بمؤسسة القدس الدولية) و(المكتب التنفيذي للمجمع العربي للموسيقى) التابع لجامعة الدول العربية بالأردن، ممثلاً للسودان، ورئاسة (لجنة تراث الموسيقى التقليدية)، وهو أيضاً من مؤسسي (جامعة الزعيم الأزهري) بالخرطوم، حيث كان عضواً بمجلس الأمناء عند التأسيس، وقد عمل أيضاً محرراً بمجلة الدستور العراقية.

من بعض مؤلفاته كتاب (أغاني وسط السودان في القرن الحادي والعشرين) - دراسات تحليلية وتطبيقية - تحت الطبع، يوليو 2017).
(ورقة عن الموسيقى والعولمة في القرن الحادي والعشرين).

كانت أولى رحلات الفنان "عثمان مصطفى" إلى خارج السودان في عام 1967م إلى القاهرة قبيل اندلاع حرب يونيو بدعوة من (إذاعة ركن السودان) برفقة كل من المطربين "أحمد المصطفى وسيد خليفة وصلاح بن البادية وعبدالمنعم حسيب"، وذلك للمشاركة في حفل (أضواء المدينة). وفي عام 1977م انتُدب للعمل (بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) التابعة لجامعة الدول العربية بمكتب شرق أفريقيا لتدريس الموسيقى بمعهد يوسف الكونين بالعاصمة الصومالية مقديشو وذلك لمدة عامين حيث قام مع مجموعة من المتخصصين بتأسيس المعهد.
شارك عثمان مصطفى في تمثيل السودان في الكثير من البعثات السودانية الفنية الخارجية شملت حوالي 25 دولة عربية وإفريقية وأوربية وآسيوية، كما شارك بأعماله في بعض المهرجانات الدولية في مجال الموسيقى والغناء من بينها:-
مهرجان الموسيقى في ألمانيا عام 1972م.
مهرجان القرن الأفريقي عام 2006م برعاية من الإتحاد الأفريقي.
مهرجان أغنية السلام بمصر عام 1994م .
مهرجان الأغنية الصوفية بالهند عام 2001 م.
كما شارك في عدد من الحفلات الغنائيـة بكونسـرفتوار القاهرة بمصاحبة البروفسور "كارل هانز" رئيس أكاديمية هانوفر الموسيقية بألمانيا.
نال عثمان مصطفى عدة جوائز ومكافآت تكريمية وتشريفية دولية ومحلية، منها:-
نوط الجدارة من رئاسة الجمهورية بالسودان عام 1972 م.
وسام العلم والآداب والفنون من الدولة بالسودان عام 1975م.
جائزة تقديرية وعينية من رئيس جمهورية جيبوتي 1992م.
درع الثقافة من اللجنة القومية العليا بمهرجان الخرطوم عاصمة الثقافة عام 2005م.
كما نال زمالة الإذاعيين السودانيين.

وتم تكريمه من قبل نادي الرميلة بمناسبة حصوله على درجة الدكتوراة.
وتكريمه من نادي الدفاع بالحلة الجديدة بالخرطوم بمناسبة نيله الدكتوراة.
وتحصل على شهادة تكريم من الاتحاد العام لطلاب جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في عام 2010م.
ثم تكريماً من (جمعية فاس ساينس للتنمية الثقافية والاجتماعية) من المغرب.
ألا رحم الله الفنان الموسيقار الأستاذ الدكتور "عثمان مصطفى" وأحسن إليه وجزاه خيراً بقدر ما قدَّم للشعب السوداني، وبقدر ما أعطى للفن والموسيقى والغناء.

 

هاشم خوجلي

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page