top of page

التلحين الغنائي

حول الأغنية السودانية وطرق معالجة التردي

وددت بهذا أن أطرق معكم بابا أثارته لدي أغنية سمعتها قبل أيام قليلة، وما أجج الموضوع في خاطري هو لحن وموسيقى وكلمات الأغنية ثم أكمل أداء المغني على ما تبقى من حفيظتي وأثار توتري، وحين نظرت إلى السائد الأعم في ساحة الغناء، وجدت مثاله كثر، فحبذت إشراككم معي في تجربتي، إذ ليس من مغن أو موسيقي أو شاعر إلا ويحتاجه في مسيرته الفنية، قصرت أو طالت.

 

سيقتصر حديثي على الغناء والتلحين الغنائي والأغنية عموما، وأتمنى أن يثير الموضوع في أنفسكم ما يثيره في نفسي.

 

كما أتمنى أن يدلي كل بدلوه، ويقول كل رأيه، فتعم الفائدة الجميع، وكلكم فنان يعرف عن الموسيقى وفن الغناء ما يؤهله ليجهر برأيه، ولا يختلف في ذلك موسيقي أو شاعر.

 

هذه رؤية تحليلية لما ينقص الأغنية الحديثة التي ملأت الساحة الغنائية السودانية هذه الأيام، واستشرت وعمت، وهي تحمل رأي الفني الخاص في تركيبتها ووضعها كأغنية، وأنا أرى أن عدم التقيد بالمقاييس التي سأذكرها في سياق حديثي، وبالصرامة والدقة المطلوبة، لهو من الأسباب الرئيسية لعدم نجاح وثبات هذه الأغنية وزوالها في زمن وجيز ونسيانها، ورغم وجود أسباب أخرى عديدة تتجمع لتسهم في ذلك، وقد يتطرق لها غيري في هذا الموضوع، إلا أني سأقتصر على الأساسيات، ولن أتناول المزاج الشخصي وتفاوته من مستمع لآخر، فكل يسمع ويطرب على هواه، ونادرا ما يلتقي إثنان بشكل متماثل متطابق في رأي أو تذوق فني، وذلك لأن هنالك أعمدة أساسية يجب توفرها في العمل الغنائي ولا تكون دونه، وبسبب تشعب الموضوع فقد حاولت جهدي أن أختصر ما أمكنني. والمقاييس الأساسية التي أراها هي، دون أي أسبقيات تسلسلية.

 

الشعر، وهو الكلام الذي تتم صياغته بوزن وإيقاع وقافية وبحر، ولا يهم إن كان بلغة فصيحة أو عامية، ولا يهم إن كان يحمل مضمونا قيما أو يحتوي على الغث من المعاني، فذلك يحدده مدى تقبل المستمع له، وكم من أغنيات ماتت في مهدها، رغم جمال الكلمات فيها ورقي الشعر، لنقص في العوامل الأخرى، والشعر في مجمله يجب أن يحمل إيقاعا داخله، وإلا لا يكون شعرا وبالتالي لا يصلح أن يكون غناء.

 

الموسيقى أو اللحن، وهو وضع الكلمات في إطار حسي وقالب موسيقي مقبول، وحبذا لو تم جعله يشبه معاني الكلمات ويشير لمضمونها، وهذا يكون وفق إمكانات الموسيقي الملحن ومبتكر اللحن ومقدراته التخيلية، كما يجب أن يحكم هذه الموسيقى إيقاع ما بشكل عام، سواء كان إيقاعا منسابا، باطنا أو محسوسا ومسموعا واضحا.

 

يأتي مع كل ذلك التوافق الصارم للإيقاع الموسيقي مع الإيقاع الشعري وهو ما ينتج الأغنية، والشاذ منه يكون، أحيانا نادرة، في شكل تحفيزي يسميه أهل الموسيقى بالكلمة العامية "تِلْتِيَّه"، ويسببه تعديل ميزان التوقيت داخل المازورة وتطويله حتى يماثل المازورات التي تسبقه وتليه، وهي تأتي داخل اللحن بميزان مخالف لميزان اللحن الزمني، ولثوان قليلة يعود بعدها الإيقاع من حيث ترك، و"التلتية" عادة صعبة التنفيذ، لخروجها على المألوف، حتى على بعض الموسيقيين، لأنها شذوذ مؤقت عن القاعدة.

 

التقيد بمازورة موسيقية لحنية تكون بدايتها واضحة وتقسيماتها الداخلية واضحة ونهايتها واضحة، ومن أساسيات التأليف الموسيقي أو التلحين أن يكون طول كل مازورة مساويا بالضبط وبدقة متناهية لطول الموازير الأخرى في السياق الموسيقي، حتى لا يختل الإيقاع. وإنما تتكون الجمل اللحنية من تتابع الموازير، ثم تتجمع الجمل لتخلق اللحن الكامل للأغنية.

 

التنفيذ الصوتي، أو الغناء، وتحكمه مقومات كثيرة يندرج بعضها في القوالب السابقة، من تقيد بالإيقاع وتوافق مع التقسيم الداخلي للموسيقى واللحن، ولكن أهمها عذوبة الصوت وصحة مخارج الحروف ووضوحها والنطق السليم وحسن تقبل الصوت من المستمع، وهذا الأخير هو المستهدف الرئيسي لكل هذا الجهد الفني.

تأتي بعد ذلك الروح الجمالية للحن، وهو ما يخضع للذوق الشخصي، ثم يكون الدور النهائي للوسيط الموصل أو المخرج للعمل الغنائي، وهو التنفيذ الموسيقي الذي يتكامل مع صوت المؤدي.

 

أخلص إلى أنه إن لم تحمل أي مادة مغناة، مهما بلغت من البساطة أو التعقيد، كل هذه المقومات مجتمعة ودون المساس بأي منها، فهي لا تكون أغنية بالمعني العلمي الصحيح للأغنية، بل تكون أي شئ آخر قد يراه صاحبها.

 

هذا ما أرى في هذا الخصوص، ويظل قولي تعبيرا عن رأي الشخصي، رغم ما استندت عليه من أساسيات علمية لا تقبل الجدل ولا خلاف عليها

 

شكرا لكم على حسن المتابعة...

هاشم خوجلي

غنايين آخر زمن


الله يرحمك يا أبو داؤود، كان لما يفتح خشمو يغني يسمّع آخر زول في  صيوان الحفلة، لما الحفلات كانت في الصيوانات، ولا إبراهيم الكاشف، رغم أني مااحتكيت بيهم عن قرب بس سمعتهم سمع دقيق جدا، لكني عاصرت رفيق دربهم بل زاملته فترة في أخريات أيامه، وهو عثمان الشفيع، وأشهد على القوة والدِقّة والأصالة في صوته الشجي الراقي المتفرِّد. كان ما بِفرق معاهم لو المكرفون باظ في آخر لحظة، زي ماكان بيحصل دايما، أو لو الكهربا قطعت فجأة، لأنو الواحد فيهم لما يلعلع، صوتو بيمرق بقوة تهز الشبابيك، وجايز تكسر القزاز، وده مع المحافظة التامة على جمال النبرة ودقة النغم وحلاوة الترنيم.
تعال شوف غنايين الليلة، الواحد لو لأي سبب سمعتو بغني بدون مكبر صوت، تحلف تقول الفِرقة بتعزف بي هنا والغناي بغني عند سابع جار، ولو رخيت أضانك كويس، أنا متأكد أنك حتتساءل زيي، هو ده بغني ليه، القال ليهو إنت غناي منو، وطبعا ده بينطبق على المغنيات من نفس الفئة، وما أكثرهما هذه الأيام.
المصيبة الكبيرة جاتنا اليومين ديل بي حركة بعملوها الغنايين الجُداد وقايلينها حرفنة وماعارفين يعملوها كيف، الحركة هي الهمس بالغناء، والهمس في عمومه يؤدي إلى تجاوز عمليات التطريب الصعبة والتي تنهك الحبال الصوتية، وهي الفيصل بين الإبداع والمهاترة، وإبراز تدرجات العذوبة في الصوت، العذوبة التي تظهر جلية في الأداء الجهور، أما الهمس في خصوصه فهو يظهر تفاصيل دقيقة جدا، تفاصيل لا يقدر على إظهارها إلا مغن صاحب صوت مشحون بالشجن ملئ باللحن، على شرط أن يعرف معرفة وثيقة متى وأين وكيف يستخدم هذا الهمس وفي أي لحن، كما مارسه بعض محدثينا كمحمد وردي وإبراهيم عوض وزيدان إبراهيم، وكلهم استخدمه في قلة محببة.
وكما بدأت، فقد طالت رحمة الله عبدالعزيز أبو داؤود وإبراهيم الكاشف وعثمان الشفيع، إذ أنهم لم يعاصروا هذا الزمن  الأغبر الأغبش، أبو غنايين هامسين، غنايين زمن صار تعداد شعبنا فيه أن بين كل مغن فاشل ومغنية منشزة كم مستمع من الشعب المقهور على أمره، يسمع ما يزعمطون من الغناء السوداني الجميل.

هاشم خوجلي

Shisham©2023

Created with Wix.com

هاشم خوجلي   Hashim Khojali

شيشام©2023

صُنعَ على مِنصَّة ويكس دُوتْ كُوم

bottom of page